و إذا كان بعضُ البوسنويين أنفسهم قد آثر الانتماء إلى الجرمانيين ، فإنَّ هذا الادعاء لم يُقنع خصومهم ، كما لم يكن هتلر نفسُه ليصدِّقه (1) ، و ظلَّ البشانقة في نظر صقالبة الجنوب دُخلاء ينظر إليهم على أنَّهم أتراك أو من غرس الأتراك ، و لا يزال الصرب حتى يومنا هذا يرددون في أناشيدهم الحماسيّة القديمة عبارة : (( تعالوا نذبح أبناء الأتراك )) (2) .
فهل كان البوشناق كذلك ؟
إنَّ نظرةً سريعة على الصراع بين البشانقة و الأتراك الذي أثبته المؤرخون الصقالبة أنفسهم كفيلة بنفي أيِّ صلةٍ تجمع بين الطرفين أو تُقرِّبُ بينهما ، اللهُمَّ إلا صلة الدين و عُروته الوُثقى التي لا انفصام لها ، و مما يؤكد هذا كثرة الثورات التي واجه بها الشعب البوسنويُّ الحُكم العثمانيِّ منذ أيَّامه الأولى و حتَّى جلائه عن البوسنة .
و قد اشتهرت في تاريخ المُقاومة البوسنيَّة للعُثمانيِّين ثورة عام 1245هـ/1830م التي قضى عليها العثمانيُّون بقيادة عمر باشا (3) قضاءً مُبرماً لجؤوا فيه إلى أعنف أساليب القمع وأشدِّها مما فاق شدَّة العمليَّات المماثلة للقضاء على ثورات الشعوب الأخرى ، لأنَّ ثورة البوسنة قام بها شعبٌ مسلم تربطه بالعثمانيين علاقاتٌ أقوى من تلك التي تربط الشعوب الأخرى بدولة الخلافة .
(1) ... انظر : نويل مالكوم : البوسنة ، ص : 36 .
(2) ... بسَّام العسلي : المسلمون في البوسنة و الهرسك ، ص : 58 .
(3) عمر باشا : قائد عثماني شهير ، نمساوي الأصل ، ولد سنة 1246 هـ / 1830 م ، و مات سنة 1288 هـ / 1871 م ، خدم في الجيش النمساوي ، ثم اهتدى إلى الإسلام بعد أن هاجر إلى البوسنة ، و خدم في الجيش العثماني ، رقي تدريجيا حتى وصل رتبة عالية ، هزم الروس في عدة مواقع منها حرب القلزم .
انظر ترجمته في : المسلمون في يوغسلافيا ، ص : 77 .
و : المذكرات السياسية , للسلطان عبد الحميد الثاني ، ص : 179 .