مشى دون أن ينتظر مني رداً، أفهمني بما لا يقبل الشك ألا مجال للمناقشة أو الاعتراض.
السيد أصدر أمراً وعليّ أن أنفذه، لسنا إلا خدمه المنذورون لأوامره... لماذا؟ ما الذي أعطاه هذا الحق؟.. سلطته.. ماله المسروق؟.. حقارته؟...
إنه لا يتورع عن أي عمل، وتواردت إلى ذهني قصص الغصب والنصب.. تراءت لي صور القهر والإذلال..
صررت على أسناني حتى كادت تتكسّر، كنت أسمع قصصه سماعاً، وها أنا سأصبح واحداً من أبطالها.
ثار الرفض في قلبي، ملأني قوة، لن أذهب إليه وليفعل ما يشاء.
عندما حدّثت سعاد عن الموعد الذي سأخلفه اكفهر وجهها.
قالت:
-أنت لا تستطيع أن تواجهه.
قلت:
-أنا إنسان ولي كرامة.
قالت:
-لا تسلم نفسك للغضب وحاول أن تقنعه.
أحاول أن أقنعه؟! لديه قناعة واحدة أنه يستطيع أن يمتلك ما يريد!.
في العصر جاء أخي الأكبر زائراً، عندما سمع بالقصة قال مشفقاً:
-أنت في مأزق، مؤكداً أنه سمع بصيت بستانك وحديقتك، ليتك اكتفيت بالشجر دون الحديقة، هي التي لفتت الأنظار إليك.
قلت:
-سبحان الله، وهل يعاقب الإنسان على براعته في عمله؟!
نظر إليّ عميقاً وقال:
-اذهب إليه ولا تجعله يحقد عليك فحقده قاتل.
مسربلاً بالحكمة والهدوء، ذهبت إليه عندما رآني تجاهلني في بادئ الأمر، راح يتشاغل بالحديث مع من حوله، ثم التفت إليّ وكأنه يراني لأول مرة وسألني دون اهتمام:
-أنت صاحب البستان؟
عندما أومأت برأسي سألني:
-هل فكرت بالعرض.
نسيت الوصايا وسمعت صوتي يقول:
-العرض مرفوض رفضاً قاطعاً.
ابتسم وكأنه يريد أن يلقنني حكمةً وقال:
-لا شيء في الحياة قاطع، كل الأمور قابلة للتعديل.
قلت:
-إلا إذا كان الأمر يتعلق بالكرامة.
قال:
-وما علاقة الكرامة بالموضوع، البستان ملكية قد تباع وقد تبدّل.
قلت بإصرار:
-لن أبيع ولن أبدّل.
نظر إليّ متأملاً وقال بين السخرية والجد:
-إذن سأعهد إليك بأحد بساتيني وستجعله صورةً مطابقة لبستانك.