تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تبادلت مع سعاد نظرةً ثم غادرت الخميلة باتجاه مدخل البستان، كان هناك رجل يمسك بلجام حصانه، ما إن رآني حتى سألني:

-هل أنت أحمد الخضر؟.

هززت رأسي بالإيجاب.

قال:

-السيد يريد رؤيتك.

أصابتني الدهشة. ما علاقتي بالسيد والسادة؟ لقد اعتزلت الوظائف السلطانية، وتركت المدينة إلى البستان وهجرت الناس.

سألته:

-ماذا يريد مني؟

أجابني دون اهتمام:

-عندما تراه اسأله، إذهب إليه غداً في الحادية عشرة صباحاً.

نظرت إليه أستوضحه، لكن وجهه كان أصم خالياً من أي تعبير أو رغبة في الحديث.

كدت أقول له:

-أنا لم أحدد الموعد وبالتالي لست ملزماً به.

لكنه أدار عنق حصانه وغادر دون أن ينتظر إجابتي أو حتى يلقي عليّ تحية الوداع، رجعت إلى مجلسي منزعجاً، فسألتني سعاد:

-من الزائر؟

عندما أخبرتها بدا القلق في وجهها وقالت:

-يبدو أن المتاعب تطرق بابنا.

قلت محاولاً أن أخفف عنها:

-لا تهولي الأمر.

قالت:

-سيرته لا تطمئن.

حاولت أن أصل ما انقطع من حديثنا قبل أن يأتي الزائر ولكن ظلاً أسود سقط بيننا فانسحب كلُّ منا إلى داخله.

كان نومي قلقاً ولكن عندما انبعث صوت الديك، استيقظت ناسياً همَّ الأمس، هي اللحظة الزرقاء الجميلة التي تسبق طلوع الشمس، تمليت السماء طويلاً، كان القمر الشاحب ينسحب ببطء، مخلياً الكون لسيدة النور.

جاءتني رائحة الشجر والأرض وزقزقة العصافير فانتشيت باليوم الجديد، لكن طارئ الأمس داهمني فهمست:

-اللهمَّ اصرف عنا بأس الحياة وضرَّها.

قالت لي سعاد بصوت حاولت أن تبث فيه المرح:

-لا تنسَ عند عودتك من مقابلته أن تمرَّ بالمدينة وتأتينا بحاجيات الأولاد.

عندما أشرقت الشمس، ركبت حصاني، عبرت منطقة البساتين فلاحت لي الأراضي قاحلة حيناً، مهملة حيناً آخر، سمعت الأرض تئن. ساءلت نفسي:

-لماذا أرضنا تعاني اليباس ونحن نملك الخصب والماء والقدرة؟ لماذا تهلك مواسمنا وتبور آمالنا؟

البستان · الصفحة ١٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

البستانص ١٣