ثم جاءنا أستاذ جديد ، هو أستاذي فلان - وأشار إلى أستاذه - ومعذرة منه إن تكلمت عنه في حضرته .. فهذا كلام حقّ أربد منه العبرة والفائدة فبدافع من المشاكسة وحب التغيير معا ، طلبت الانتقال إلى حلقته .
فقيل لي يومها : ولماذا تطلب الانتقال من حلقتك ؟
فقلت لهم : لا لشيء إلا لتجديد النشاط ..!
وقوبل طلبي بالتجاهل والمماطلة فترة من الوقت ، ثم قلت لوالدي : أنا غير مسرور مع أستاذي في الحلقة ، فإما أن تطلب منهم أن يغيروا لي الحلقة ، وإما ألا أحضر إلى المسجد ، فطلب والدي ذلك ، فانتقلت إلى حلقة الأستاذ الجديد ، وفوجئت أن هذه الأستاذ يختلف عن غيره من الأساتذة الذين تعرفت عليهم ..
تعرّف عليّ أستاذي الجديد باهتمام عجيب ، فشعرت لأول مرة في حياتي بقيمتي وكياني .. وسألني بتقدير واحترام : " كم تحفظ من القرآن الكريم ؟ وكم مضى عليك في التحفيظ ؟ وكم تستطيع أن تحفظ كل يوم ؟ وسألني عن علاقتي مع والدي ، وعن عدد إخوتي .. وألقى عليّ سيلا من الأسئلة لم أجد بعضها من أحد قبله ، وكلها كانت مفعمة بالحب والاهتمام " ومع أنني شعرت منه بالتكريم والاحترام .. ولكني كنت يومها مستغربا لأسئلته ومتحفّظا بعض الشيء .. لما أني ظننت أن التقدير الذي رأيته كان زائدا عن حدّه ، وربما كان ذلك لأنني لم أره من أحد قبله ، فلا عجب أن أراه مستغربا ، لأنه غير مألوف ..!
وختم حواره معي بقوله : " إنني أرى فيك يا منصور طاقة كبيرة ، وذكاء نادرا ، وحيوية قلّ مثلها ، فما أحسن أن توجه طاقتك وذكاءك إلى الجد في حفظ القرآن ، وتحرص على أن تكون سبّاقا لكل هؤلاء الشباب .! "
قال لي هذه الكلمات منذ أوّل لقاء ، والبسمة الحنون تملأ وجهه ، فأحسست من أعماقي أن نورا من قلبه يشع على قلبي ، فيقع كلامه منه موقع الماء العذب من الظمآن ، أو موقع الدواء من العليل اللهفان ، وصحوت على نفسي لأجد أنني كنت في طيش الأطفال ، وأنا في سن الشباب ..!