تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يقول الشاطبي عن الاختلاف المرحوم(1): «ثم إن هؤلاء المتفقين قد يعرض لهم الاختلاف بحسب القصد الثاني لا القصد الأول، فإن الله تعالى حكم بحكمته أن تكون فروع هذه الملة قابلة للأنظار ومجالاً للظنون، وقد ثبت عند النظار أن النظريات لا يمكن الاتفاق فيها عادة، فالظنيات عريقة في إمكان الاختلاف، لكن في الفروع دون الأصول وفي الجزئيات دون الكليات، فلذلك لا يضر هذا الاختلاف.

وقد نقل المفسرون عن الحسن في هذه الآية أنه قال: أما أهل رحمة الله فإنهم لا يختلفون اختلافًا يضرهم. يعني لأنه في مسائل الاجتهاد التي لا نص فيها بقطع العذر، بل لهم فيه أعظم العذر، ومع أن الشارع لما علم أن هذا النوع من الاختلاف واقع، أتي فيه بأصل يُرجَعُ إليه، وهو قول الله تعالى: ﴿ فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول ﴾ (2) الآية. فكل اختلاف من هذا القبيل حكم الله فيه أن يرد إلى الله، وذلك رده إلى كتابه، وإلي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وذلك رده إليه إذا كان حيًّا وإلي سنته بعد موته، وكذلك فعل العلماء - رضي الله عنهم - إلا أن لقائل أن يقول: هل هم داخلون تحت قوله تعالى: ﴿ ولا يزالون مختلفين ﴾ أم لا؟ والجواب: أنه لا يصح أن يدخل تحت مقتضاها أهل هذا الاختلاف من أوجه:

الأول: أن الآية اقتضت أن أهل الاختلاف المذكورين مباينون لأهل الرحمة لقوله ﴿ ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربُّك ﴾ (3) فإنها اقتضت قسمين: أهل الاختلاف، والمرحومين، فظاهر التقسيم أن أهل الرحمة ليسوا من أهل الاختلاف وإلا كان قسم الشيء قسيمًا له ولم يستقم معنى الاستثناء.

(1) الاعتصام، ج2، ص 168.

(2) النساء، الآية: 59.

(3) هود، الآيتان: 118- 119.

البلاغ المبين · الصفحة ٥٩٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

البلاغ المبينص ٥٩٠