أما القسم الأول: فكل ما يحتاج الناس إلى معرفته واعتقاده والتصديق به من هذه المسائل فقد بيَّنه الله ورسوله بيانًا شافيًا قاطعًا للعذر، إذ هذا من أعظم ما بلغه الرسول البلاغ المبين وبينه للناس وهو من أعظم ما أقام الله به الحجة على عباده فيه بالرسل الذين بينوه وبلغوه وكتاب الله الذي نقله الصحابة ثم التابعون عن الرسول لفظه ومعانيه والحكمة التي هى سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مشتملة من ذلك على غاية المراد وتمام الواجب والمستحب والحمد لله الذي بعث فينا رسولاً من أنفسنا يتلو علينا آياته ويزكينا ويعلمنا الكتاب والحكمة. إلى أن يقول: وإنما يظن عدم اشتمال الكتاب والحكمة على بيان ذلك من كان ناقصًا في عقله وسمعه ومن له نصيب من قول أهل النار الذين قالوا: ﴿ وقَالُواْ لَو كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ ﴾ (1) وإن كان ذلك كثيرًا في كثير من المتفلسفة والمتكلمة وجهَّال أهل الحديث والمتفقهة والصوفية.
وأما القسم الثاني: وهو دلائل هذه المسائل الأصولية فإنه وإن كان يظن طوائف من المتكلمين أو المتفلسفة أن الشرع إنما يدل بطريق الخبر الصادق فدلالته موقوفة على العلم بصدق المخبر، ويجعلون ما ينبني عليه صدق المخبر معقولات محضة فقد غلطوا في ذلك غلطًا عظيمًا، بل ضلوا ضلالاً مبينًا في ظنهم أن دلالة الكتاب والسنة إنما هى بطريق الخبر المجرد بل الأمر ما عليه سلف الأمة أهل العلم والإيمان من أن الله سبحانه بيَّن من الأدلة العقلية التي يحتاج إليها في العلم بذلك ما لا يقدِّر أحد من هؤلاء قدره ونهاية ما يذكرونه جاء القرآن بخلاصته على أحسن وجه». أهـ.
(1) تبارك، آية: 10.