وقال تعالى: ﴿ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ﴾ (1) فجعل طريق الحق واضحًا مستقيمًا ونهى عن البنيات. والواضح من الطرق والبينات، كل ذلك معلوم بالعوائد الجارية، فإذا وقع التشبيه بها بطريق الحق مع البُنيَّات في الشرع فواضح أيضًا، فمن ترك الواضح واتبع غيره فهو متبع لهواه لا للشرع. وقال تعالى: ﴿ وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمْ الْبَيِّنَاتُ ﴾ (2) فهذا دليل على مجيء البيان الشافي، وإن التفرق إنما حصل من جهة المتفرقين لا من جهة الدليل، فهو إذًا من تلقاء أنفسهم، وهو اتباع الهوى، بعينه، والأدلة على هذا كثيرة تشير أو تصرح بأن كل مبتدع إنما يتبع هواه، وإذا اتبع هواه كان مذمومًا وآثمًا والأدلة عليه أيضًا كثيرة كقوله - عز وجل - ﴿ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنْ اللَّه ﴾ (3)، وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَتَّبِعْ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ ﴾ (4)، وقوله - عز وجل - ﴿ وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ ﴾ (5) وما أشبه ذلك: فإذًا كل مبتدع مذموم آثم.
والثالث: أن عامة المبتدعة قائلة بالتحسين والتقبيح، فهو عمدتهم الأولى وقاعدتهم التي يبنون عليها الشرع، فهو المقدم في نحلهم بحيث لا يتهمون العقل، وقد يتهمون الأدلة، إذا لم توافقهم في الظاهر، حتى يردوا كثيرًا من الأدلة الشرعية.
(1) الأنعام، الآية: 153.
(2) آل عمران، الآية: 105.
(3) القصص، الآية: 50.
(4) ص، آية: 26.
(5) الكهف، آية: 28.