تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يقول الإمام الشاطبي (1): في أن ذم البدع والمحدثات عام لا يخص محدثة دون غيرها: «فاعلموا ـ رحمكم الله ـ أن ما تقدم من الأدلة حجة في عموم الذم من أوجه: أحدها: أنها جاءت مطلقة عامة على كثرتها لم يقع فيها استثناء البتة، ولم يأت فيها ما يقتضي أن منها ما هو هدى، ولا جاء فيها كل بدعة ضلالة إلا كذا وكذا، ولا شيء من هذه المعاني، فلو كان هنالك محدثة يقتضي النظر الشرعي فيها الاستحسان أو أنها لاحقة بالمشروعات، لذكر ذلك في آية أو حديث لكنه لا يوجد، فدلَّ على أن تلك الأدلة بأسرها على حقيقة ظاهرها من الكلية التي لا يتخلف عن مقتضاها فرد من الأفراد.

والثاني: أنه قد ثبت في الأصول العلمية أن كل قاعدة كلية أو دليل شرعي كلي إذا تكررت في مواضع كثيرة وأتى بها شواهد على معان أصولية أو فروعية، ولم يقترن بها تقييد ولا تخصيص، مع تكررها، وإعادة تقررها، فذلك دليل على بقاءها على مقتضي لفظها من العموم كقوله تعالى: ﴿ أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى - وَأَنْ لَيْسَ لِلإنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى ﴾ (2) وما أشبه ذلك. وبسط الاستدلال على ذلك هناك، فما نحن بصدده من هذا القبيل، إذ جاء في الأحاديث المتعددة والمتكررة في أوقات شتي وبحسب الأحوال المختلفة: أن كل بدعة ضلالة، وأن كل محدثة بدعة، وما كان نحو ذلك من العبارات الدالة على أن البدع مذمومة. ولم يأت في آية ولا حديث تقييد ولا تخصيص ولا ما يفهم منه خلاف ظاهر الكلية فيها، فدلَّ ذلك دلالة واضحة على أنها على عمومها وإطلاقها.

والثالث: إجماع السلف الصالح من الصحابة والتابعين ومن يليهم على ذمها كذلك، وتقبيحها والهروب عنها، وعمن اتسم بشيء منها ولم يقع منهم في ذلك توقف ولا مثنوية. فهو ـ بحسب الاستقراء ـ إجماع ثابت، فدلَّ على أن كل بدعة ليست بحق، بل هى من الباطل.

(1) الاعتصام، ج1، ص 141.

(2) النجم، الآيتان: 38- 39.

البلاغ المبين · الصفحة ٥٤٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

البلاغ المبينص ٥٤٢