ويقول(1): «وأما النقل فمن وجوه أحدها: ما جاء في القرآن الكريم مما يدل على ذمِّ مَنْ ابتدع في دين الله في الجملة فمن ذلك قول الله تعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ ﴾ (2). فهذه الآية من أعظم الشواهد وقد جاء في الحديث تفسيرها فصحَّ من حديث عائشة رضى الله عنها أنها قد سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن قوله: ﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ﴾ قال - صلى الله عليه وسلم -: «فإذا رأيتهم فاعرفيهم» وصحَّ عنها أنها قالت: سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن هذه الآية ﴿ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ ... ﴾ إلى آخر الآية. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمَّى الله فاحذروهم». وهذا التفسير فيهم ولكنه جاء في رواية عن عائشة أيضًا قالت: تلا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هذه الآية ﴿ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ ﴾ الآية. قال - صلى الله عليه وسلم -: «فإذا رأيتم الذين يجادلون فيه فهم الذين عني الله فاحذروهم». وهذا أبين لأنه جعل علامة الزيغ الجدال في القرآن، وهذا الجدال مُقيَّد باتباع المتشابه، فإذًا الذمّ إنما لحق من جادل فيه بترك المحكم وهو أم الكتاب ومعظمه والتمسك بمتشابهه ولكنه بعد مفتقر إلى تفسير أظهر، فجاء عن أبي غالب واسمه حرور قال: كنت بالشام فبعث المهلِّب سبعين رأسًا من
(1) الاعتصام، ج1، ص 53.
(2) آل عمران، آية: 7.