أنهم كفار بالقول مع بيان أنهم لم يعتقدوا صحته وهذا باب واسع والفقه فيه ما تقدم من أن التصديق بالقلب يمنع إرادة التكلم وإرادة فعل فيه استهانة واستخفاف كما أنه يوجب المحبة والتعظيم واقتضاؤه وجود هذا وعدم هذا أمر جرت به سنة الله في مخلوقاته كاقتضاء إدراك الموافق للذة وإدراك المخالف للألم، فإذا عدم المعلول كان مستلزمًا لعدم العلة وإذا وجد الضد كان مستلزمًا لعدم الضد الآخر فالكلام والفعل المتضمن للاستخفاف والاستهانة مستلزم لعدم التصديق النافع ولعدم الانقياد والاستسلام ولذلك كان كفرًا». أهـ.
وإكراه الإجبار يفسد الإرادة فيمنع وقوع الفعل ويرفع تكييفه الشرعي وهو مرتبط برخصة «إنْ عادوا فعد» والأصل فيه الإيمان قولاً وعملاً ظاهرًا وباطنًا والقول والعمل المخالف وقع باطلاً فكأنه لم يقع ولا تأثير له بانتفاء الإرادة وباعتبار الأقوال والأفعال في هذه الحالة كأفعال العجماوات والجمادات ليس لها تكييف شرعي. وإكراه التهديد يستجاب فيه في الأقوال فقط إذا كان ملجئًا لأن الأقوال لا تقتضي أثرها بالضرورة، فيمكن فيها التقية ”ليس التقية بالعمل وإنما التقية باللسان“ والأعمال تقتضي أثرها بالضرورة فلا يمكن فيها التقية، ولذلك لا يستجاب فيها للإكراه في أعمال الكفر ”حديث الذباب“ من رفض تقريب شيء قتل ومن قرَّب ذبابًا لينجو بنفسه من القتل كفر، كذلك لا يجوز التحول عن الدين بعد إعلانه ﴿ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا ﴾ (1)، ﴿ وَمَا يَكُونُ لَنَا أَن نَّعُودَ فِيهَا ﴾ ، «لا تشرك بالله وإنْ قُتلت وحُرقت» وأما قبل الإعلان فيجوز للمسلم أن يكتم إيمانه ولكن كتمان الدين الحق شيء وإظهار الدين الباطل شيء آخر.
(1) الأعراف، آية: 89.