تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بالزنى .. (1)).

والمراد أن ما يُنقض فيه حكم الحاكم وإن لم يفرط، وما يُضمَّن فيه من أحكامه التي بان خطأها، سواء ألحق به الضمان أو بغيره، ففرض مسألتنا فيما جرى من حكمه على الخطأ وظُلْمِ المحكوم عليه من غير تقصير منه، ولم يكن يمكن استبانته إلا بعد فوات يلحقه به مضرة، أو تعذرت استبانته حتى بعد حكم الحاكم إن كان مالاً أو نحوه، أفتراه في حكمه لو قد حكم بانتزاع مالٍ، أو حَلِّ عصمة، أو تحليل فرج، أو نحو ذلك، ولم يكن لصاحب الحق المظلوم في أن ينجو بحقه ويستخلصه إلا بالتحاكم إلى طاغوتٍ، أفيجوز له ذلك والحالة فيما ذكرتُ ضرورة قد تربو في بعض صورها على ضرورةِ من أجزتَ له التحاكم إلى الطاغوت عند غياب حكم الله؟!

فإن التزمت التجويز هنا تداعى بناؤك الذي أقمته على شفا جُرُفٍ هار! وخرَّ عليك سقفه من فوقك! وإن منعته علمنا أن ليس يحملك على الفرقان بين هذه وتلك إلى محضُ التحكم!

ولا يخفى على من شمّ رائحة العلم ما في القول بلازم هذا الوجه وما سبقه من فسادٍ عريض، وشرٍ مستطير، وإذا صحّ توجيه الإلزام، فذانك برهان فساد الملزوم، والله الموفق.

الوجه السادس عشر: أن الله سبحانه وتعالى قد أمرنا باجتناب الطاغوت، فقال: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: 36]، وقد عُرِّف الطاغوت بـ (ال) الاستغراقية فأفاد العمومَ في كل طاغوت، والعموم في الطواغيت يستلزم العموم في الأحوال والزمان والمكان، فكأنه قال اجتنبوا الطاغوت في كل زمان، وفي كل مكان، وفي كل حال، ولم يستثن سبحانه من الأمر باجتناب الطاغوت حالاً دون حال، ولا زماناً دون زمان، ولا مكاناً دون مكان، فترك اجتناب الطاغوت ناقضٌ للإيمان بلا ثُنيا، والمحتكم إلى الطاغوت عند وجود حكم الله أو عند غيابه غير مُجتنبٍ له، فهو آتٍ كفراً في الحالين، وليس من عذرٍ يُرَخّصُ معه في إتيان الكفرِ غير الإكراه، فمن زعم بعد ذلك أن الله سبحانه وتعالى قد خصَّ مِن أمرِهِ باجتناب عبادة الطاغوت حالاً أو زماناً أو مكاناً فعليه البرهان المحكم البيِّن، وإلا يأتِ به فقد قال على الله ما لا علم له به!

الوجه السابع عشر: أن الله سبحانه وتعالى قد أمرنا بالكفر بالطاغوت، فقال: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (256)﴾ [البقرة].

(1) () المغني (10/ 229).

العِثَار في استدلالِ مُبِيْحِ الاحتكامِ · الصفحة ٣٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

العِثَار في استدلالِ مُبِيْحِ الاحتكامِص ٣٣