الأجل زادوا في المال مقداراً يتراضون عليه، ثم يزيدون في أجل الدين، فكانوا يفعلون ذلك مرة بعد مرة حتى يأخذ المربي أضعاف دينه الذي كان له في الابتداء (1)).
وقال العلامة ابن عاشور رحمه الله: (وقوله: ﴿مُضَاعَفَةً﴾ صفة للأضعاف، أي: هي أضعاف يدخلها التضعيف، وذلك أنهم كانوا إذا داينوا أحداً إلى أجل داينوه بزيادة، ومتى أعسر عند الأجل أو رام التأخير زاد مثل تلك الزيادة، فيصير الضعف ضعفاً ويزيد، وهكذا، فيصدق بصورة أن يجعلوا الدين مضاعفاً بمثله إلى الأجل، وإذا ازداد أجلاً ثانيا زاد مثل جميع ذلك، فالأضعاف من أول التداين للأجل الأول، ومضاعفتها في الآجال الموالية، ويصدق بأن يداينوا بمراباة دون مقدار الدين ثم تزيد بزيادة الآجال، حتى يصير الدين أضعافاً، وتصير الأضعاف أضعافاً، فإن كان الأول فالحال واردة لحكاية الواقع فلا تفيد مفهوماً؛ لأن شرط استفادة المفهوم من القيود أن لا يكون القيد الملفوظ به جرى لحكاية الواقع، وإن كان الثاني فالحال واردة لقصد التشنيع وإراءة هذه العاقبة الفاسدة، وإذ قد كان غالب المدينين تستمر حاجتهم آجالاً طويلة، كان الوقوع في هذه العاقبة مطرداً، وحينئذ فالحال لا تفيد مفهوماً كذلك؛ إذ ليس القصد منها التقييد بل التشنيع، فلا يقتصر التحريم بهذه الآية على الربا البالغ أضعافاً كثيرة (2)).
وقد أكثر أئمة الأصول في كتبهم من الاستدلال بهذه الآية على منع اعتبار مفهوم المخالفة إذا ورد المنطوق على حادثةٍ اقتضته، وأذكر مثالاً واحد على ذلك -طلباً للاختصار- قولَ العلامة المرداوي الحنبلي رحمه الله في كتابه الحافل (التحبير شرح التحرير) -وكلاهما له- قال رحمه الله عند تعداده لشروط إعمال مفهوم المخالفة:
(قوله: "ولا لحادثة" أي: ولا خرج لبيان حكم حادثة اقتضت بيان الحكم في المذكور، كما روي أنه صلى الله عليه وسلم مر بشاة لميمونة، فقال: ((دباغها طهورها))، وكما لو قيل بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم: لزيدٍ غنمٌ سائمة. فقال: في السائمة الزكاة؛ إذ القصد الحكم على تلك الحادثة لا النفي عما عداها.
ومن هذا قوله تعالى: ﴿لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ [آل عمران: 130] فإنه ورد على ما كانوا يتعاطونه في الآجال أنه إذا حل الدين يقول للمديون إما أن تعطي، وإما أن تزيد في الدين، فيتضاعف بذلك مضاعفة كثيرة (3)).
إذا اتضح هذا .. فإن مفهوم المخالفة في قول الله تعالى: {وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ
(1) () فتح القدير (1/ 436).
(2) () التحرير والتنوير (4/ 85 - 86).
(3) () (6/ 2900).