تحاكمه مسبوقاً بدعائه إلى حكم الله، أو ينخلع من فهمه للآية فيبطل قوله.
الوجه الثالث: قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (47)﴾ دليلٌ عليه لا له! بيانه:
أن الآية اشتملت على وصفٍ، وحكمٍ مُرتَّبٍ عليه.
فقوله سبحانه: ﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا﴾ ظاهر، فالآية في قومٍ أظهروا الإيمان بالله ورسوله.
وقوله: ﴿ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ وصفٌ مؤثر في الحكم، وهو التولي من بعد إظهار الإيمان والطاعة.
وقوله: ﴿وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ حكمٌ رُتِّبَ على الوصف، فالتولي عن طاعة الله ورسوله هو المناط المكفر، وحيث تحقق هذا المناط عُلِّق عليه الحكم.
ومن المعلوم أن التولي قد ورد في كتاب الله نافياً للإيمان المطلق دون مطلق الإيمان، وورد نافياً لمطلق الإيمان، وكلا الضربين على معنى ترك الائتمار بالأمر وعدم العمل.
فمن التولي المكفر ما جاء في قول الله تعالى: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (31) وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (32)﴾ [القيامة]، وقوله عز وجل: ﴿لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى (15) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى (16)﴾ [الليل].
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (قال تعالى: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (31) وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (32)﴾ [القيامة]، وقد قال تعالى: ﴿لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى (15) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى (16)﴾ [الليل]، وكذلك قال موسى وهارون: ﴿إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (48)﴾ [طه]، فعلم أن التولي ليس هو التكذيب، بل هو التولي عن الطاعة، فإن الناس عليهم أن يصدقوا الرسول فيما أخبر ويطيعوه فيما أمر، وضد التصديق التكذيب، وضد الطاعة التولي، فلهذا قال: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (31) وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (32)﴾ وقد قال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ فنفى الإيمان عمن تولى عن العمل وإن كان قد أتى بالقول (1)).
ومما جاء فيه التولي في كتاب الله نافياً للإيمان المطلق دون مطلق الإيمان، قول الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ
(1) () مجموع الفتاوى (7/ 142).