ـ اذهبْ إلى مقعدكَ، ولا تُدخلْ أنفَكَ في
أمورِ غيرك.
? ? ?
الهروب
رنَّ جرسُ الدرس، فدخلَ التلاميذُ الصفوفَ، ما عدا غزوانَ، فقد ظلَّ متوارياً، خلفَ الجدار، ينظرُ حولَهُ حذراً.. وعندما سكنتِ الحركاتُ، وهدأتِ الأصواتُ، ولم يبقَ أحدٌ في الباحة، انسلَّ غزوانُ من مخبئهِ، وسارعَ إلى بابِ المدرسة، فوجدَهُ مُقفلاً!
تركَهُ مغتاظاً، هربَ من تحتِ السياج، وعادَ إلى البيتِ، فسألتْهُ أُمُّهُ:
ـ لماذا رجعْتَ؟
ـ لقد انصرفْنا.
ـ مَنْ مزَّقَ لكَ ثوبَكَ؟
ـ مِنْ أين؟
ـ من الظهر!
مدَّ غزوانُ يدَهُ، وتلمَّس ظهرَهُ، فدخلَتْ أصابعُهُ في الخَرْق.. قال غاضباً:
ـ المدرسةُ مزَّقتْهُ.
ـ كيف؟!
ـ وضعوا لها سياجاً من أسلاكٍ شائكة!
ـ وهل خرجْتَ من تحتِ السياج؟
ـ نعم.
قالَتِ الأمُّ مدهوشةً:
ـ لماذا؟!
ـ لأنَّ البابَ مُغلَق.
ـ ولماذا لم تنتظرْ حتّى يُفتَح؟
ـ لا يُفتَحُ إلا بعدَ ساعاتٍ طويلة!
ـ ولِمَ تدَّعي أنَّكم قد انصرفتم؟!
ارتبكَ غزوان، ولم يجدْ أيَّ جواب، وسرعانَ ما شعرَ بأذنهِ، بينَ أصابعِ أُمِّهُ، تفركها لهُ، وهو مُستسلمٌ، لا ينبسُ بكلمة..
W
الكرة
تغدَّى غزوانُ سريعاً، وتناولَ الكرة..
سألَتْهُ أُمُّهُ:
ـ لماذا أخذْتَ الكرة؟
ـ سألعبُ بها قليلاً، لأنشِّطَ جسمي للدراسة.
ـ اتركِ اللعبَ وادرسْ.
ـ المعلِّمُ قال لنا: العقلُ السليم في الجسم السليم.
سكتتِ الأُمُّ، وخرجَ غزوانُ، يلعبُ، ويلهو، حتّى غابتِ الشمسُ، فرجعَ إلى البيتِ، وهو يلهثُ من التعب..
قالَتْ لهُ أُمُّهُ:
ـ لقد لعبْتَ كثيراً، افتحْ كتابَكَ وادرسْ.
ـ كيف أدرسُ وأنا جائع؟!
أحضرَتِ الأُمُّ طعامَ العشاءِ، فأكلَ غزوانُ
حتّى شبعَ.
قالَتْ لهُ أُمُّهُ:
ـ افتحِ الآنَ كتابَكَ وادرسْ.
ـ كيف أدرسُ وأنا مُتعَب؟!
ـ استرحْ قليلاً.
تركَتْهُ مدَّةً، ثمّ عادتْ إليهِ، وقالَتْ:
ـ هل استرحْتَ؟
ـ استرحْت.
ـ هيّا يا حبيبي، افتحْ كتابَكَ وادرسْ.
ـ كيف أدرسُ، وأختي تبكي، وتصرخ؟!
ـ لن أدعَ أُختكَ هنا، وسأغلقُ عليكَ الباب.
حملَتِ الأُمُّ طفلتَها الصغيرةَ، وأخذَتْها إلى غرفةٍ أُخرى، وظلّتْ بجانبها، تُهدِّئها، وتُربِّتُ على جنبها، حتّى هدأتْ، ونامَتْ..
عادَتِ الأُمُّ مسرورةً، تمشي على رؤوس أصابعها، حتّى لا تُحدثَ صوتاً يُعكِّرُ دراسةَ ابنها.. فتحَتِ البابَ بهدوء، سمعَتْ صوتَ شخير!
اقتربَتْ من غزوان، وجدَتْهُ يغطُّ في نومٍ عميق..