هذه حفظتُها عن ظهرِ قلب: (وتتلو محفوظاتها) فالحمامةُ مثلاً تهتمُّ بفراخِها ولا تهتمُّ بفراخِ الغراب. والغنَمَةُ تهتمُّ بخروفِها وليس بصغارِ الفِيلَة. أمَّا البقرة، فتهتمُّ بعجلِها إن كانَ لها عجلٌ رضيع، فإن كانت بلا عجل فالحليبُ كلّهُ لِمَالِكِها خصوصاً إن كانَ مِثلَكِ؛ فقد خلّصتَني من حراثةِ أرضِ الفلاّحِ وجعلتَني كالأميرةِ آكُلُ وأشربُ ولا أعمَل. وكنتُ عاقراً لا أُنْجِبُ فدبّرْتَ لي خروفَ ا لجيرانِ وصارَ مثلَ ولدي...
مِرداس…:
لكنّكِ تآمرتِ معَهُ من وراءِ ظهري، فصار يتسلَّلُ إلى المرعى خِلسةً وتعطينَهُ كلَّ الحليب، فهل هذا وفاءٌ أم خيانة؟..
البقرة…:
(تضربه) هذا واجبٌ وليس خيانة. ليس خيانة.
مِرداس…:
(يتهرّب ضاحكاً) آخ.. آخ.. أنتِ حنونةٌ وعاطفيّة، وأنا لم أحبِسْكِ هنا عقوبةً أو انتقاماً معاذَ الله، بل حرصاً على أخلاقِ الخروفِ الصغير؛ أنا لا أريدُ لهُ تعلُّمَ السرقة. (ينتبه إلى الخارج).
البقرة…:
(تضربه مع كل كلمة) أنت عظيمُ الأخلاق.
مِرداس…:
(خاطفاً الهراوة)، وأنتِ أيضاً، وانتهت النزهة. هيّا ادخُلي. تفضّلي.
(يسوقها إلى الحظيرة ويغلق الباب فتطلّ من النافذة، ويسرع خارجاً إلى الطريق).
(5) …(أبو المذابح يعبر الطريق حاملاً سيفاً ضخماً فيعترض مرداس طريقه).
مِرداس…:
أبو المذابِح؟! يا هلا، يا هلا. (يعانقه، يقبّله، وذاك يتملّص) أهلاً وسهلاً، أهلاً وسهلاً، الحمد لله على السلامة.
أبو المذابح:
اتركني. ابتعدْ أفّ.
مِرداس…:
أنا مشتاقٌ إليكِ.
أبو المذابح:
أنت لا تشتاقُ إلى أحدٍ ولا يشتاقُ إليك أحد.
مِرداس…:
سامحَك الله. أنا لا أختلط بالناسِ كي أبتعدَ عن المشاكل. أمّا أنتَ بالذاتِ فأنا واللهِ أحبّك، وأفتخرُ بكَ وأشتاقَ إليك. أنت بطلُ قريتِنا وحاميها من الأشرار، ولو كانَ عندي حليبٌ لَكُنتُ دعوتُك وأكرمتك، لكنّ بقرتي...
أبو المذابح:
لا تكذبْ عليَّ، أنتَ بخيلٌ لا تكرمُ أحداً ولا يُكرمُكَ أحد.
مِرداس…:
سامحكَ الله يا أخي سامحكَ الله. لكنك لم تخبرْني؛ أين كنتَ وماذا فعلت؟..
أبو المذابح:
وأين يمكنُ أن أكونْ؟!..
مِرداس…:
أعرفُ أعرف. كنتَ في البراري تطاردُ الأشرار...
أبو المذابح:
واللصوص وقطّاعَ الطرق.
مِرداس…:
هذا أكيد.
أبو المذابح:
دعْني أذهبُ فأنا مرهَق. (يحاول الذهاب ومِرداس يعرقله).
مِرداس…:
هذا أكيد؛ مرهّقٌ من المذابِحِ وتطييرِ الرؤوس.
أبو المذابح: