نعم، بلا مقابل. وسأحكي لك حكايتي مع صاحبي ومع الخروفِ منذ البداية.
عبّاس…:
كلاّ، لا يجوز؛ الحليبُ يكونُ مقابلَ ثمنٍ وليس بلا مقابل.
البقرة…:
وأنا لن أحكيَ لكَ الحكاية.
عبّاس…:
أهلُ القريةِ أخبروني الكثيرَ وكتبتُهُ في هذا الكتاب.(يستعينُ بكتابه في الرواية) أنتِ بقرةٌ عاقرٌ لا تستطيعُ الحبلَ وإنجابِ العُجول. وكنتِ مِلكاً لفلاّحٍ من أهلِ القريةِ كريمٍ طيّب، عاملَكِ أحسنَ معاملةٍ وسمّاكِ شريفة، وعِشتِ عندَهُ تحرثينَ الأرضَ وتعيشينَ بأمان. وفي يومٍ من الأيامِ جاءَ مِرداسٌ إلى الفلاّحِ وطالبَهُ بديونٍ كثيرة. وكان الفلاحُ مفلِساً لا يقدِرُ على وفاءِ ديونِهِ، فاقتادَكِ مِرداس من عندِهِ وصرتُ مِلكَه.
البقرة…:
هذا كلُّهُ لا يُهّم.
عبّاس…:
وما المهمُّ إذاً.؟..
البقرة…:
المهمُّ حكايتي مع الخروف؛ فعندَما ماتتَ غنَمُة الجارةِ الحطّابة، أشفقتُ على اليتيمِ الصغيرِ شفقةً عظيمةً وصرتُ أبكي، فامتلأتْ ضروعي بالحليبِ وصارَ يسيلُ منها بلا توقّف. وفرحَ مِرداسٌ كالمجنونِ وبدأ يبيعُ حليبي لإرضاعِ لخروفِ وللجميع.(يُسمع سعال مرداس) هاهو يعود.
(تختفي فيتجه عبّاس نحو مدخل الباحة).
(3) …(يدخل مِرداس حاملاً حزمة عشب.يضعها جانباً ويغلق نافذة الحظيرة ويتقدّم نحو عبّاس).
مِرداس…:
أهلاً وسهلاً .. أهلاً وسهلاً ..
عبّاس…:
أنا عابرُ سبيلٍ وأريدُ النزولَ عندَك.
مِرداس…:
أنا وداري في خدمتك. (ويشير إلى خلف المكان) تفضّلْ من هنا، تفضّل. (يسيران قليلاً) أهلاً وسهلاً... أهلاً وسهلاً ..
عبّاس…:
(يتوقف قبل أن يخرجا) هل عندَكَ غرفةٌ تُطِلُّ على هذه الباحةِ؟
مِرداس…:
ماذا تريدُ من هذهِ الباحةِ؟...
عبّاس…:
أراها واسعةٌ يلعبُ فيها النسيم، وأنا أحبُّ شمَّ النسيم.
مِرداس…:
هذه باحةٌ خلفيّةٌ فيها حظيرة. أمَّا غرفُ الدارِ فتطِلُّ على الباحةِ الأماميّة، وهناكَ النسيمُ النقيُّ العليل. (يمدّ يده مبتسماً) وأجرةُ الشخصِ في اليومِ دِرهَم.
عبّاس…:
سوف أعطيكَ عشرة.
مِرداس…:
(مسروراً) هل ستبقى عشرةَ أيّام؟...
عبّاس…:
يكفيني يومٌ واحد.
مِرداس…:
فهمتُ عليك؛ حليبُ البقرةِ العاقرِ أعجوبةٌ فريدة، فهو غذاءٌ وقوّةٌ للأبدانِ وشفاءٌ من جميعِ الأمراضِ. وسوف أعطيكَ منهُ بتسعةِ دراهِمَ لكنْ ليس الآن.
عبّاس…:
متى إذاً؟
مِرداس…:
ربّما الليلة، وأو صباحَ غدٍ على أبعدِ تقدير.
عبّاس…:
وربّما لا أراهُ ولا أذوقُهُ.
مِرداس…:
ماذا تعني؟...
عبّاس…: