ـ سأذهب لأغسل وجهي بمياه النبع يا عماه وأمتع عيني بمنظر أشجار الحور الباسقات.
ـ مياه النبع جُرّت إلى قصور الأغنياء يا بني، وشجرات الحور لم تعد موجودة منذ زمن بعيد...
هتف سامر حانقاً:
ـ يا للقتلة!
ـ صدقت يا بني! لقد قتلوا كل ما يجمع بين الناس على الحب والمودة وأزالوا من الوجود كل ما يمكن أن يذكرهم بذلك. لقد زرعوا الرعب في قلوب الناس، وحيث يسري الرعب تزداد الريب والوساوس ويزداد الناس عزلة بعضهم عن بعضهم الآخر. ويزدادون ضعفاً.
قال سامر مفكراً:
ـ لقد استفادوا من تجارب طغاة العالم في القهر والنهب وعلينا أن نستفيد من تجارب المناضلين في مدينتنا والعالم لنتمكن من جمع شمل المظلومين والظفر على الظالمين.
نهض سامر وهم بالخروج فسأله أبو ماجد:
ـ إلى أين؟
ـ أريد التجوال في بعض أحياء المدينة.
ـ لكنك لم تتناول طعامك.. ثم إن الثياب التي ترتديها تدل على أنك غريب. لقد احتفظت بثياب ابني الشهيد ماجد وأظن أنها تناسبك. كل يا بني قبل أن تذهب وسأحضر لك الثياب سريعاً.
ارتدى سامر الثياب التي أحضرها أبو ماجد وتناول بعض الطعام وخرج. الأحياء خالية خاوية إلا من بعض الشيوخ والعجائز. حياهم سامر وقد عرف أكثرهم فردوا على تحياته بفتور.. أحس وكأن العيون تقول له: "لماذا عدت أيها المغترب المسكين!" وكان يفكر! "ولكني عدت حباً بكم ومن أجلكم أيها الناس!".
وخفق قلبه خفقاناً شديداً. إنهما عيناها، أجل عيناها الرائعتان. لقد لمحها تختلس النظر إليه ورأى عينيها تضطربان بقلق. تبعها وهمس:
ـ هيفاء! مرحباً يا هيفاء!
ـ لماذا هجرت المدينة يا سامر!
ـ أجبرتني الظروف القاسية على ذلك وكنت صغيراً.
ـ عن أية ظروف قاسية تتكلم؟ هه، يا للعذر!
ـ هأنذا عدت يا هيفاء!
ـ ولكن ظروفاً أقسى من ظروفك تلك تجبرني على الابتعاد عنك وعدم الثقة بك.
ـ منذ متى أصبحت قاسية إلى هذا الحد؟ ألا تثقين بي؟
ـ علمتني الحياة أشياء كثيرة. ويبدو أنك لا تميز بين الخوف والقسوة. أنا أخافك يا صاحبي وأرجو أن تكون موضعاً للثقة. وداعاً!
غابت هيفاء في الزحام ووقف سامر مرتبكاً. اقترب منه ثلاثة رجال أشداء يحملون الهراوات وسأله كبيرهم:
ـ من أنت؟ لماذا كنت تكلم الفتاة؟
ـ اسمي سامر، وتلك الفتاة كانت رفيقتي أيام الطفولة.
ـ أيام الطفولة إذن؟ خذ!
وشاركه رفيقاه الضرب فلاذ سامر بالفرار.