كما قال - صلى الله عليه وسلم - : ((إن أفضل الكسب كسب داود، كان يأكل من عمل يده)) (1)
(8) حسن التصرف قولاً وعملاً:
من ذلك أنه - صلى الله عليه وسلم - لما وصل المدينة المنورة مهاجراً، كان كلُّ من فيها من المسلمين يتمنى أن ينال شرف نزوله في داره، ولو اختار أحداً منهم لوجد البقية في نفوسهم، فقال مشيراً إلى ناقته: ((دعوها فإنها مأمورة)) (2) فبركت الناقة أمام بيت أبي أيوب الأنصاري- رضي الله عنه- فنزل ضيفاً عنده، ريثما يجد له بيتاً يسكنه، ورضي الجميع.
ومن ذلك أنه - صلى الله عليه وسلم - حدث أصحابه مرة عن أناس يدخلون الجنة بغير حساب، وذكر صفاتهم التي تميزهم عن غيرهم، فقال له رجل- يقال له عكاشة-: ادع الله لي أن أكون منهم يا رسول الله!
فقال: ((أنت منهم يا عكاشة))
فقام آخر يطلب مثل ذلك، فقال له: ((سبقك بها عكاشة)) (3)
وفي جوابه بالغة أرضت السائل، ومنعت غيره أن يسأل كما سأل عكاشة. ولو أجاب الثاني لسأل الجميع مثل سؤاله، وقد يكون فيهم من لا يستحق ذلك، فيقع الحرج، فكان جواب النبي - صلى الله عليه وسلم - مقنعاً، ومانعاً للحرج.
ولما قدم أبو سفيان إلى المدينة يستطلع الخبر بعد غذر قريش وإساءتهم لصلح الحديبية وشروطه، لم تحسن ابنته أمُّ حبيبة وفادته، غيرةً منها على الإسلام ورسوله، فأمرها - صلى الله عليه وسلم - أن تحسن إلى أبيها، وتكرم مجلسه ووفادته، فأدرك أبو سفيان أنه - صلى الله عليه وسلم - لا يحقد، ولا يسيء، ولا ينتقم لنفسه. وهي من صفات النبوة.
(1) رواه البخاري في البيوع (2072و 2073)
(2) ذكر ابن هشام في السيرة النبوية (2/140)والذهبي في تاريخ الإسلام، السيرة النبوية (ص:330)
(3) رواه أحمد (1/403و454)وذكر الهيثمي في مجمع الزوائد (9/304) وعزاه ابن القيم في حادي الأرواح (ص: 188) لأحمد بن منيع في مسنده، وقال: إسناده على شرط مسلم.