جاء أبو النظام بولده إلى الخليل بن أحمد الفراهيدي- رحمهما الله- ليمتحنه، ويضعه في الصف المناسب له، فقال له الخليل: يا غلام! صف لي هذه الكأس.
فقال: أأمدحها أم أذمّها؟
قال: امدحها- وهي من زجاج-.
فقال: تريك القذى، وتقيك الأذى، ولا تستر ما روى.
فقال: ذمّها.
فأجاب: سريع كسرها، بطي جبرها، مؤلم جرحها.
فقال: صف لي هذه النخلة.
فقال: بمدح أم بذم؟
قال: امدحها.
فقال: ناضر أعلاها، حلو مجتناها، باسق منتهاها.
فقال: ذمّها.
فقال الغلام: صعبة المرتقى، بعيدة المجتنى، محفوفة بالأذى.
فقال له الخليل: يا غلام! نحن أحوج إلى أن نتعلم منك. وفيه تواضع المعلم، وحسن تقدير الطالب.
وكلنا يذكر ذلك الغلام الذي وفد إلى عمر بن عبد العزيز- رحمه الله- فاستصغره حين تقدم يتكلم باسم الوفد، وقال: ليتكلم أكبر منه سناً.
فقال الغلام: يا أمير المؤمنين! لو كان المرءُ يقدِّم بسنه لكان بين المسلمين من هو أحق منك بالخلافة، ولكن الله إذا رزق العبد عقلاً حافظاً، ولساناً لافظاً كان جديراً بالكلام، فأعجب به عمر، وسمح له بالكلام فأجاد، فقال عمر:
تعلم فليس المرء يولد عالماً وليس أخو علم كمن هو جاله
وإن كبير القوم لا علم عنده صغير إذا التفت عليه المحافل
وهذا غلامٌ آخر يظفر معن بن زائد ببعض أعدائه، وكان معهم، فهم بقتلهم، فقال له الغرم: إننا على جوعٍ وعطش، أفتقتلنا قبل أن تطعمنا وأنت كريم؟! فطلب لهم طعاماً وشراباً، فلما أكلوا وشربوا قال الغلام لمعن: أيها الأمير! لقد أصبحنا ضيوفك بعد أن أكلنا طعامك، وشربنا شرابك، وما أظنك ترضى أن يقال: إن معناً قد قتل ضيوفه.
فقال له معن: ويحك! خدعتني،و غلبتني. وعفا عنهم.
وهذا غلامٌ آخر يتصدَّر وفداً إلى هشام بن عبد الملك فيغضب، ويفول مخاطباً حجّابه: أتدخلون عليّ من أراد حتى الصبية؟!
فقال الغلام: السلام عليكم يا أمير المؤمنين! فردّ الأمير السلام.