حدهم حتى لا تغرق سفينة الأمة وهي تمخر أمواج الحياة، سائرة نحو تحقيق غاياتها.
وقد بيَّن حديث السفينة موقف العقلاء من السفهاء حين يريد هؤلاء السفهاء العبث بحياة الآخرين. جاء قول المصطفى - صلى الله عليه وسلم - فيما رواه
عنه النعمان بن بشير: ((مثل القائم على حدود الله، والواقِعِ فيها
كمثل قوم استهموا على سفينة فأصاب بعضهم أعلاها، وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على
من فوقهم. فقالوا: لو أنَّا خرقنا في نصيبنا خرقاً، ولم نؤذ من فوقنا، فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاً، وإن أخذوا على أيديهم
نجوا ونجوا جميعاً)) (1). جاء هذا القول النبوي الكريم معلماً من معالم الهدي النبوي في بيان مسئولية أهل الحل والعقد، والعقل والفهم والرشاد في المحافظة على سلامة سفينة الأمة، وعدم ترك الفرصة للحمقى والسفهاء حتى لا يُغرقوا تلك السفينة من أجل تحقيق مطامعهم، ففي إيقافهم عند حدهم بالأخذ على أيديهم نجاة لهم، ونجاة للمجتمع الذي يعيشون فيه، وفي ذلك صورة مشرقة ورائعة للمجتمع الذي يدرك فيه أفراده العقلاء النبهاء أهمية الطاعة لله، والاستقامة على شرعه، وخطر المعاصي وتفشي الذنوب، وذلك أن للذنوب – إذا تفشت في مجتمع ما، وجاهر بها أفراده – خطراً ماحقاً يأتي على الأخضر واليابس، فيهلك الحرث والنسل في ذلك المجتمع.
ومن آثارها – أي الذنوب والمعاصي – أنها تحدث في الأرض أنواعاً من الفساد في المياه، والهواء، والزروع، والثمار، والمساكن، والنفوس، والصلات، والتجارات، والمكاسب، والأوقات، ويدرك هذه الحقائق وسواها من الناس من له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، فيرى ببصره، ويدرك ببصيرته حقائق قول الحق تبارك وتعالى:
(وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَاتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ((2) ماثلة في الحياة كضوء الشمس في رابعة النهار، لا يغفل عنها إلا من طمس الله بصيرته. والعبرة في الآية الكريمة
(1) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأشربة، باب: هل يقرع في القسمة؟ والاستهام فيه، حديث رقم (2493).
(2) سورة النحل: (112).