وأما الإمام الثاني وهو من المتأخرين فهو جمال الدين القاسمي. فقد قال في كتابه "قواعد التحديث"(1)ما نصه:
" اعلم أنه قد رخص في سَوْق الحديث بالمعنى دون سياقه على اللفظ جماعة منهم: علي وابن عباس وأنس بن مالك وأبو الدرداء وواثلة بن الأسقع وأبو هريرة رضي الله عنهم، ثم جماعة من التابعين يكثر عددهم منهم: إمام الأئمة الحسن البصري ثم الشعبي وعمرو بن دينار وإبراهيم النخعي ومجاهد وعكرمة، نقل ذلك عنهم في كتب سيرهم بأخبار مختلفة الألفاظ. وقال ابن سيرين: " كنت أسمع الحديث من عشرة المعنى واحد والألفاظ مختلفة". وكذلك اختلفت ألفاظ الصحابة في رواية الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمنهم من يرويه تاماً، ومنهم من يرويه بالمعنى، ومنهم من يورده مختصراً، وبعضهم يغاير بين اللفظين ويراه واسعاً إذا لم يخالف المعنى، وكلهم لا يتعمد الكذب، وجميعهم يقصد الصدق، ومعنى ما سمع، فلذلك وسعهم، وكانوا يقولون : " إنما الكذب على من تعمده" وقد روي عن عمران بن مسلم قال رجل للحسن: يا أبا سعيد، إنما تحدث بالحديث أنت أحسن له سياقاً وأجود تحبيراً وأفصح به لساناً منا إذا حدثْنا به، فقال: " إذا أصبت المعنى فلا بأس بذلك". وقد قال النضر بن شميل :" كان هشيم لحاناً فكسوت لكم حديثه كسوة حسنة – يعني بالإعراب- وكان النضر بن شميل نحوياً. وكان سفيان يقول: " إذا رأيتم الرجل يشدد في ألفاظ الحديث في المجلس فاعلم أنه يقول:اعرفوني". قال: وجعل رجل يسأل يحيي بن سعيد القطان عن حرف في الحديث على لفظه فقال له يحيي: "يا هذا ليس في الدنيا أجل من كتاب الله تعالى وقد رخص للقراء فيه بالكلمة على سبعة أحرف فلا تشدد".
(1) قواعد التحديث ص 221.