وقد جاء البصرة إلى زياد فقال له: أصلح الله الأمير، إني أرى العرب قد خالطت هذه الأعاجم وتغيرت ألسنتهم، أفتأذن لي أن أضع علماً يقيمون به كلامهم؟ قال: لا، ثم جاء زياداً رجلٌ، فقال: مات أبانا وترك بنون. فقال زياد: مات أبانا وترك بنون! ردوا إليّ أبا الأسود الدؤلي، فرُدَّ إليه، فقال: ضع للناس ما نهيتك عنه. فوضع علم النحو، وقد قال عنه يحيي بن معين كان ثقة عدلاً.
حدث عيسى بن الحسين قال: حدثنا حماد بن اسحاق، عن أبيه، عن المدائني قال: أمر زيادٌ أبا الأسود الدؤلي أن ينقط المصاحف فنقطها، ورسم من النحو رسوماً، ثم جاء بعده ميمون الأقرن، فزاد عليه في حدود العربية، ثم زاد فيها بعده عنبسة بن قعدان المهري، ثم جاء عبد الله بن أبي اسحق الحضرمي وأبو عمرو بن العلاء فزادا فيه، ثم جاء الخليل بن أحمد الأزدي، وكان صليبة(1)، فلحب(2) الطريق. وبزغ نجم علي بن حمزة الكسائي، مولى بني كاهل من أسد فرسم للكوفيين رسوماً هم الآن يعملون عليها.
ووضع أبو عبيدة كتاب "مجاز القرآن"، وكتاب"إعراب القرآن"، هذا ومع أنهم كانوا علماء في اللغة؛ كانوا أيضاً علماء ورواة للحديث، وفقهاء في الأحكام الشرعية. إلا أنهم كانوا يدونون اللغة ويكتبونها ولا يدونون الحديث. إذ تأخر تدوين الحديث وجمعه، حتى قيّض الله ثلة قاموا بجمعه وتدوينه في المسانيد والسنن والصحاح، كالبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وأحمد بن حنبل وابن ماجة، وغيرهم الكثير.
(1) صليبة: في أساس البلاغة " عربي صليب: خالص النسب وامرأة صليبة كريمة النسب عريقة والمعنى: كان ذا نسبة صليية".
(2) لحب: وسع، الطريق اللاحب: الواسع.