ثم ذكر خلاف العلماء في تكفير من يجحد ما ثبت بخبر الواحد العدل، وبين الفرق بين الشاهد والمخبر عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، وبين أيضاً أن الخبر الذي يجب قبوله شرعاً لا يكون باطلاً في نفس الأمر، ولا يحتمل الكذب وأن كل دليل يجب اتباعه شرعاً لا يكون إلا حقاً، والله سبحانه لم يأمرنا باتباع ما ليس بحق.
والمجتهد عليه أن يعمل بأقوى الدليلين، وهذا عمل بالعلم، فإن رجحان الدليل مما يمكن العمل، وقال أيضاً: إن العالم عليه أن يتبع ما ظهر من أدلة الشرع ويتبع أقوى الأدلة وهذا كله يمكن أن يعلم، فيكون عاملاً بعلم.
وقال أخيراً: (ومما يحقق أن خبر الواحد الواجب قبوله يوجب العلم قيام الحجة القوية على جواز نسخ المقطوع به، كما في رجوع أهل قباء عن القبلة التي كانوا يعلمونها ضرورة من دين رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم بخبر الواحد، وكذلك في إراقة الخمر وغير ذلك.
وإذا قيل: الخبر هناك أفادهم بقرائن احتفت به، قيل: فقد سلمتم المسألة، فإن النزاع ليس في مجرد خبر الواحد بل في أنه قد يفيد العلم. والباجي- مع تغليظه على من ادعى حصول العلم به- جوّز النسخ به في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
والخلاصة من كلام ابن تيمية هذا: أنه يرى أن وجوب العمل به مقترن مع إفادته العلم، ولكن العلم ليس درجة واحدة يل يتقوى ويختلف، وهو أيضاً كما صرح به، ولا يقول بأن كل خبر واحد يفيد العلم، بل لا بد من انضمام ما يدل على صحة سنده وصدق راويه، أو غير ذلك من المقويات. وهذا بعينه ما اختاره القاضي من الحنابلة ومن تابعه كما قدمنا ذلك عنهم.