إليها، ولا بد من أداء الحقوق لأصحابها في ساحة التوبة النصوح الطهور، على أنه ينبغي تجنّب الصغائر أيضاً، والحذر من تكاثرها وكثرتها، فإنها تقضي عندئذ على صاحبها، كما يقضي ثقبُ السفينة الصغير - إن أهمل - على ركابها جميعاً.
9 - تفرّق بين المجاهرة والمساترة في الذنب: فكلُّ ذنب حرام، والمذنب مؤاخذ به، معاقبٌ عليه إن لم يتب ويصلح من حاله، ولكنَّ المجاهرة بالذنوب والافتخار بها دليل انعدام الحياء، والانطواء على نفس خبيثة تتحدى الحقَّ والقيم، ولذا كان عِقَاب المجاهرة بالذنب أشد من عقال المساترة فيه. وفي الحديث: «كل أمتي مُعافى إلا المجاهرينَ، وإن المجاهرةِ أنْ يعملَ الرجلُ بالليل عملاً فيصبح وقد ستَرهُ الله، فيكشف سترَ الله عليه» (1). وفي الحديث دعوة خفية إلى أن يكونَ ما يجري بين الزوجين مستوراً قولاً وعملاً، وأن يبقى في طي الكتمان، وراء ستار مسبل من الصيانة والحياء، لا يطَّلع عليه أحد، فإنَّ من الكبائر أن يكشف أحد الزوجين سترَ وسرَّ الآخرِ.
10 - تفرِّق بين مكان ومكان: فالمعصيةُ كشرب الخمرة مثلاً كبيرة من الكبائر في أي مكان، لكن عقوبتها تُضاعف أضعافاً كثيرة حين تكونُ في أماكن العبادات، أو مواسمها، أو في الدِّيار المقدسة كمكة المكرمة، أو شهر رمضان:
﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: 25]
أي: من يعص الله أو يقم بذنب - متعمداً - في المسجد الحرام فله عذاب أليم.
11 - عالمية الأخلاق: فالمسلم المؤمن مطالب أن يكون أديباً وأسوة وقدوة مع المسلم وغيره، فهو سفير يُمثِّل دينَه أينما ذهب. فإن سافرَ للتجارة فهو تاجر أمين، أو للعلم فهو طالب أديب، أو للنّزهة فهو سائح شريف. يرى فيه الغرباءُ خيرَ قدوة وأحسنَ أسوة، فيتقدون ويصلحون، وإن أقامَ في بلده فهو المواطنُ المستقيم. والنصوصُ واضحة الدلالة على دعوة المسلم والمسلمين لإصلاح العمل والقول مع الناس جميعاً، مسلمين كانوا أو غير مسلمين.
﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً﴾ [البقرة: 83]
﴿وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [البقرة: 60]
﴿وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ﴾ [القصص: 77]
﴿وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ [الشعراء: 183]
وفي الحديث الشريف: «اتقِ الله حيثما كنتَ، وأتبعِ السَّيئةَ الحسنةَ تمْحُهَا، وخالق النَّاسَ بخلقٍ
(1) رواه البخاري ومسلم.