تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

غير أن هذه الدراسات على أهميتها لا ترصد النشاطات الإنسانية الدّالة على إرهاصات الانتقال إلى طور الوجود القومي رصداً شاملاً يستوعبها، ويربط بينها للكشف عن تنوّع تلك الأنشطة ووحدتها معاً، كما أنها، وكذلك غيرها، لم تكشف عن ظواهر اجتماعية مؤثرة في المجتمع الجاهلي، وفي تكوين الوجود العربي كظاهرة المقرفين، وعلاقة الإنسان بالأرض التي يستوطنها، والملوك والسوقة، والتسامح الديني، وغير ذلك.

وقد اخترت أن يكون عنوان هذه الدراسة هو (الانتماء في الشعر الجاهلي) لما فيه من شمول يُمَكِّنني من رصد الوجود الإنساني الجاهلي المتعدّد الانتماءات لتعدّد أنشطته وأصوله، وتنوّع أفكاره ومشاعره.

ولقد عدّت إلى المصادر الأصلية للشعر الجاهلي، فاستقريت نصوصه استقراء شاملاً ما أمكن، ودقيقاً وعميقاً قدر الطاقة، باحثاً عن أنواع الانتماء فيه، ومستنبطاً منه مظاهر تلك الأنواع، ومتعرّفاً به مواطن تلاقيها وافتراقها، وهي تتطوّر من الانتماء النسبي الصريح إلى الانتماء العربي. وقد جعلت الحديث عن الظاهرة الإنسانية مقدمة لبيان الانتماء إليها، مفترضاً أن وجود ظاهرة اجتماعية يعني وجود منتمين إليها سواء أكانوا يدركون انتماءهم إليها أم لا يدركونه.

وكان اعتقادي بأنّ الإنسان فُطر على السعي نحو الأفضل، وبأنّه قادر بعقله وإرادته وعزيمته على صنع ظروف أفضل بوسائل مختلفة باختلاف العقول والزمان والمكان وغير ذلك -دليلاً أهتدي به لفهم الشعر في هذه الدراسة، ولم أتقيد إلا بما هداني إليه النظر العميق في ذلك الشعر مستعيناً بمعرفتي بالظروف التاريخية التي أبدع فيها، وبأهمية تلك الظروف في فهم الشعر الجاهلي.

وقد جعلت هذه الدراسة في خمسة فصول وخاتمة، يسبقها مدخل بينت فيه رؤيتي للمراد بظاهرة الانتماء ثم تحدّثت عن وجودها في العُرف الجاهلي، وتلت ذلك خمسة فصول، موزّعة على النحو التالي:

الانتماء في الشعر الجاهلي * دراسة * · الصفحة ٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الانتماء في الشعر الجاهلي * دراسة *ص ٣