ويصوغ الاستشراق الجديد العلاقة بين الشرق والغرب من خلال تلك الصور التي يقدمها للغرب عن الشرق، ولعل هذا كان ضئيلاً في المرحلة الأولى والثانية، أما في المرحلة الثالثة فقد أضحى الأمر أخطر من ذلك، والسبب في هذا هو أننا، بالإضافة إلى العداء الصليبي التاريخي وتحوله إلى عداء ثقافي، نجد أن زرع الكيان الصهيوني في فلسطين، والحرص على استمراره، ووجود العالم العربي الإسلامي على مقربة من الغرب الأوربي وامتلاكه للمصادر الأولية للتكنولوجيا والصناعات الغربية وفي طليعتها البترول، دفع الغرب الأوربي والأمريكي مستعيناً بكل ما يملك من طاقات إعلامية وتبشيرية وثقافية وبخاصة السينما والتلفاز والأنترنت مؤخراً، إلى تقديم صورة قبيحة للعربي المسلم، وللثقافة الإسلامية، أمام شعوبهم رغبة منه في إن يعطي لنفسه مسوغاً أخلاقياً لكل ما يقوم به ساسته من ممارسات لاإنسانية ضد البلاد العربية والإسلامية، وقد وصل الأمر حداً أصبحت فيه هذه الممارسات دفاعاً عن الحضارة ضد الهمجية والتخلف وتصوير اسرائيل على أنها الدولة الحضارية الوحيدة في المنطقة يحيط بها عالم همجي متوحش بربري، وكل ما تفعله اسرائيل ومدعومة من الغرب عمل مشروع. ويأتي احتلال افغانستان والعراق وما يجري في السودان والصومال، وما يجسده هذا الاحتلال من أعمال بربرية ووحشية ضد السكان العرب والمسلمين ومجمل الأعمال التي تدمر كل ما بنوه في القرن الماضي ليصبح دليلاً على ما تقدم، وليبرهن على أن الاستشراق القديم مهد للجديد في ما تفعله الحكومات الغربية مما يمكن تسميته بكل بساطة بالحملة الصليبة التاسعة. فهو يخاطب العقلية الغربية ويتدخل في ثقافتها ليعيد تشكيلها وخاصة فيما يتعلق منها بالشرق المسلم، كما يعمل على تغيير أسسها المسيحية لتصبح مسيحية توراتية، مزيلاً بذلك العداء التاريخي الديني بين المسيحيين واليهود.
الأنا في مرآة الآخر · الصفحة ١١
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
الأنا في مرآة الآخرص ١١
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي