تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إلا أعلمك كلمات ينفعك الله بهن فقلت بلى

قال احفظ الله يحفظك احفظ الله تجده أمامك تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة وإذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله قد جف القلم بما هو كائن فلو أن الخلق جميعا أرادوا أن ينفعوك بشيء لم يقضه الله تعالى لم يقدروا عليه وإن أرادوا أن يضروك بشيء لم يكتبه الله عليك لم يقدروا عليه واعلم أن في الصبر على ما تكره خيرا كثيرا وأن النصر مع الصبر وأن الفرج مع الكربة وأن مع العسر يسرا وله ألفاظ أخر وهو حديث جليل أفرده بعض علماء الحنابلة بتصنيف مفرد فإنه اشتمل على وصايا جليلة

والمراد من قوله احفظ الله أي حدوده وعهوده وأوامره ونواهيه

وحفظ ذلك هو الوقوف عند أوامره بالامتثال وعند نواهيه بالاجتناب وعند حدوده أن لا يتجاوزها ولا يتعدى ما أمر به إلى ما نهى عنه فيدخل في ذلك فعل الواجبات كلها وترك المنهيات كلها

وقال تعالى والحافظون لحدود الله 112 وقال هذا ما توعدون لكل أواب حفيظ 32 فسر العلماء الحفيظ بالحافظ لأوامر الله وفسر بالحافظ لذنوبه حتى يرجع منها فأمره صلى الله عليه وسلم بحفظ الله يدخل فيه كل ما ذكر وتفاصيلها واسعة

وقوله تجده أمامك وفي اللفظ الآخر يحفظك والمعنى متقارب أي تجده أمامك بالحفظ لك من شرور الدارين جزاء وفاقا من باب وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم يحفظه في دنياه عن غشيان الذنوب وعن كل أمر مرهوب ويحفظ ذريته من بعده كما قال تعالى وكان أبوهما صالحا

وقوله فاسأل الله أمر بإفراد الله عز وجل بالسؤال وإنزال الحاجات به وحده وأخرج الترمذي مرفوعا سلوا الله من فضله فإن الله يحب أن يسأل وفيه من حديث أبي هريرة مرفوعا من لا يسأل الله يغضب عليه وفيه إن الله يحب الملحين في الدعاء وفي حديث آخر يسأل أحدكم ربه حاجته كلها حتى يسأله شسع نعله إذا انقطع

وقد بايع النبي صلى الله عليه وسلم جماعة من الصحابة على أن لا يسألوا الناس شيئا منهم الصديق وأبو ذر وثوبان وكان أحدهم يسقط سوطه أو يسقط خطام ناقته فلا يسأل أحدا أن يناوله وإفراد الله بطلب الحاجات دون خلقه يدل له العقل والسمع فإن السؤال بذل لماء الوجه وذل لا يصلح إلا لله تعالى لأنه القادر على كل شيء الغني مطلقا والعباد بخلاف هذا

وفي صحيح مسلم عن أبي ذر رضي الله عنه حديث قدسي فيه يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا غمس في البحر وزاد في الترمذي وغيره وذلك بأني جواد واجد ماجد أفعل ما أريد عطائي كلام وعذابي كلام إذا أردت شيئا فإنما أقول له كن فيكون

وقوله إذا استعنت فاستعن بالله مأخوذ من قوله وإياك نستعين أي نفردك بالاستعانة

أمره صلى الله عليه وسلم أن يستعين بالله وحده في كل أموره أي إفراده بالاستعانة على ما يريده وفي إفراده تعالى بالاستعانة فائدتان فالأولى أن العبد عاجز عن الاستقلال بنفسه في الطاعات

والثانية أنه لا معين له على مصالح دينه ودنياه إلا الله عز وجل فمن أعانه الله فهو المعان

سبل السلام · الجزء ٤ · الصفحة ١٧٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

سبل السلامج ٤ · ص ١٧٦