تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ذات مرة أخ من إخواننا حضر فترة طويلة عندنا ، ثم توفي ، أخبرني ابنه صباحاً توجهت إلى موعد الصلاة عليه في جامع في آخر الحي ، فأبَّنه رجل من أهل العلم ، ماذا قال ؟ قال : أخوكم أبو فلان ، كان مؤذناً ، ترحموا عليه ، أنا دهشت إلى هذا التأبين السريع ، إذًا ماذا سيتكلم ؟ هل يتكلم عن مساحة بيته ؟ عنده تزيينات من جبصين ، أثاث فخم جداً ، كل دنياه غير خاضعة للحديث عنه ، قلت في نفسي : اعمل عملاً يستطيع المؤبِّن أن يتكلم عنك بأقل مِن خمس دقائق ، أنت سوف تؤبن فلانًا ، ماذا ستقول عنه ؟ إذا لم يكن له عمل صالح ، فليس له أثر ، إذًا فلتكنْ لك خدمة في سبيل الإسلام ، لتُذكَر من خلالها ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلا مِنْ ثَلاثَةٍ ؛ إِلا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ "

[ الترمذي ـ النسائي ـ أبو داود ـ أحمد ـ الدارمي ]

مرة سألت طلابي سؤالاً فقلت : أعطوني اسمَ تاجر كبير عاش في الشام عام ألف وثمانمائة وخمسة وسبعين ، انتظرت دقيقتين فلم يجب أحد منهم ، فقلت لهم : وأنا لا أعرف أحدًا ، أما سيدنا عمر ، صلاح الدين الأيوبي ، أبو حنيفة ، الشافعي ، أحمد بن حنبل ، فهؤلاء الرجال ذِكْرُهم على الألسنة ، مِن هنا قال سيدنا علي : يا بني ، مات خزان المال ، وهم أحياء ـ وهم في أوج حياتهم ميتون ـ والعلماء باقون ما بقي الدهر .

يقولون لك : عُقِد قرانٌ في (الشيراتون) ، كلف ستين مليونًا ، فالحديث عن هذا العقد ، وعن هذا البذخ حديث بمعرض الذم لا المدح ، دفعٌ وذلٌّ ، يروون أن إنسانًا دفع ليرةً ذهب ، وغداً يدفع ليرتين ليس لها قيمة إلا مع الإخلاص ، ومهما أردت أن تنتزع إعجاب الناس بالمال طريق مسدود ، لا ارتقاء فيه .

الأئمة الأربعة للنابلسي · الصفحة ٥١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الأئمة الأربعة للنابلسيص ٥١