تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يا رب تجلَّ عليَّ في هذا المجلس، فتشعر بخشوع، تشعر بحب لك أما إذا خرج من المسجد " ... اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ ... " يا رب ارزقني عملاً صالحاً، عبر فيه عن الفهم الصحيح للدرس، أنت سمعت في الدرس مروءة، شهامة، استقامة، ورعًا، خشية، علمً، فهذا الذي سمعته في الدرس يجب أن يصبح لك سلوكًا يوميًا.

قال ابن عيينة: "كان أبو حنيفة أكثر الناس صلاةً، وأعظمهم أمانةً وأحسنهم مروءةً، وكان أبو حنيفة طويل الصمت، دائم الفكر، كثير العقل، قليل محادثة الناس".

هناك إنسان مهدار، كلامه كثير، ومَن كَثُر كلامُه كثُر خطؤُه، و مَن كثر مزاحه استخف الناسُ به، كان عليه الصلاة والسلام يخزن لسانه ويضبطه، و كان لا يدلي بحجة، ولا برأي إلا إذا رأى قاضياً فهماً، وشهوداً عدولاً، كلامه دقيق ـ كلامه ذهب ـ و كان أبو حنيفة شديد الخوف لله عز وجل، قال النبي:" رأس الحكمة مخافة الله ".

كلما ارتفع الفهم عن الله ارتفع معه الخوف من الله، علامة معرفتك الخوف، فالطبيب علامة معرفته بالجراثيم عنايته التامة بتنظيف الخضراوات، يقول لك: هناك عدوى في البلد، الجراثيم متفشية مثلا، فكلما اشتد العلم اشتد معه الورع.

كان أبو حنيفة قليل الكلام إلا عما يُسأل عنه، قليل الضحك، كثير الفكر، دائم القطوب كأنه حديث عهد بمصيبة، و الإنسان عندما يعرف مهمته في الحياة، يعرف رسالته، و يعرف أن الله سيسأله عن كل شيء، و يعرف أن هذا العمر ثمين جداً، لذلك لا يلتفت إلى سفاسف الأمور، يبقى في معاليها، وهذا من علامة إيمانك، قال: ما رأيت أحسن أمانة من أبي حنيفة، مات وعنده ودائع بخمسين ألفاً، فما أضاع منها دينارًا واحدًا، وقد تشعر أن فلاناً إن استودعته مالك فكأنه في جيبك، هذا شعور دقيق، بأنه لا يمكن أن يخون الأمانة، إذا وضعت عنده مالك وديعة كأنه في جيبك، كأنه في صندوقك، لا تخشى عليه، هذا الإيمان، فإخواننا التجار يكون عندهم موظفون، يقول لك: هذا الموظف أخطاؤه كبيرة، ولكن له ميزة كبيرة جداً، أنه أمين، هذه تُنسِي كل سيئة، أنا من باب التعليقات أقول لمن عنده عمل تجاري، أو عمل صناعي، وعنده موظفون: إذا عندك رجل أمين وذكي، فمهما أغدقت عليه، فأنت الرابح، أمّا إذا كان ضمن العمل موظف قليل أمانة فهذه مشكلة كبيرة جداً، قال: أبو حنيفة النعمان مات، وعنده ودائع بخمسين ألفًا، ما ضاع منها دينارٌ، و يقول ابن المبارك أيضاً: "ما رأيت رجلاً أحلم من أبي حنيفة، و لا أحسن سمتاً منه"، لقد كاد الحليم أن يكون نبياً، لأنّ الحلم سيد الأخلاق، وإنّه مهما اُسْتُفِزَّ الحليمُ لم يُسْتَفَزَّ، أحياناً تجد إنساناً كالسفينة في عباب الماء، كأنها جبل، الأمواج الصغيرة تتكسر على جدرانها، أما القارب الصغير فأقلُّ موجة تقلبه، فهناك إنسان كالقارب الصغير، وهناك إنسان كالسفينة الشامخة، كأنها جبل في البحر، هناك شخص لا تهزه الأحداث، ولا

الأئمة الأربعة للنابلسي · الصفحة ١٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الأئمة الأربعة للنابلسيص ١٠