تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أقول: هكذا كانت أخلاق أبي أحمد الموفق وابنه أبي العباس الذي صار خليفة فيما بعد .. وكان هذا دأب الموفق في خروجه ضد الأعداء .. ففي أحداث 269هـ: "فأمر جماعة من غلمانه السودان وعرفهم بأن يقصدوا المواضع التي اعتادها الزنج وأن يستميلوهم ويستدعوا طاعتهم فمن أبى الدخول منهم في ذلك قتلوه وحملوا رأسه وجعل لهم جعلاً فحرصوا وواظبوا على الغدو والرواح فكانوا لا يخلون في يوم من الأيام من جماعة يجلبونهم ورؤوس يأتون بها وأسرى يأسرونهم" (1).

حكم الموفق في أسرى الزنج ورحمته بهم:

أعتقد أن العلمانيين يحسنون القراءة لكنهم لا يحسنون الفهم (فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور).

فهذا أنموذج لما كان يتعامل به الموفق وابنه مع أسرى الزنج ومن يأتيهم مستأمناً: ففي أحداث 269هـ ذكر الطبري: "ولما كثرت أسرى الزنج عند الموفق أمر باعتراضهم فمن كان منهم ذا قوة وجلد ونهوض بالسلاح منّ عليه وأحسن إليه وخالطه بغلمانه السودان وعرفهم مالهم عنده من البر والإحسان ومن كان منهم ضعيفاً لا حراك به أو شيخاً فانياً لا يطيق حمل السلاح أو مجروحاً قد أزمنته أمر أن يكسى ثوبين ويوصل بدراهم، ويزود ويحمل إلى عسكر الخبيث فيلقى هناك بعدما يؤمر بوصف ما عاين من إحسان الموفق إلى كل من يصير إليه وأن ذلك رأيه في جميع من يأتيه مستأمناً ويأسره منهم فتهيأ له من ذلك من استمالة أصحاب صاحب الزنج حتى استشعروا إلى ناحيته والدخول في سلمه وطاعته" (2).

"وانطلق الموفق ومعه أبو العباس وسائر قواده وجميع جيشه قد غنموا أموال الفاسق واستنقذوا جمعاً من النساء اللواتي كان غلب عليهن من حرم المسلمين كثيراً" (3).

أقول: هكذا كان الموفق قائد هذه الحروب .. فمن الذي يستحق أن يتغنى بأمجاده؟! الموفق هذا الرجل القوي الرحيم الشفوق صاحب الدين والمروءة أم ذاك الخبيث صاحب الزنج سفاك الدماء الغادر الخائن المخالف للعهود والوعود؟! لو أنصفوا لأشادوا بأبي أحمد الموفق ولصبوا اللعنات على صاحب الزنج السفاح الأفاك!! لكنهم لا يخجلون لمرض في قلوبهم!!

(1) السابق/ج9ص608.

(2) السابق/ج9ص649.

(3) الطبري/ج9ص660.

العلمانيون وثورة الزنج · الصفحة ١٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

العلمانيون وثورة الزنجص ١٥