الأصلية مستصحبة حتى يأتي الدليل الخالص عن المعارضة الراجحة أو المساوية، و لو قام الدليل على رجوع الضمير في قوله تعالى (فإنه رجس) إلى جميع ما تقدم في الآية الكريمة من الميتة و الدم المسفوح و لحم الخنزير، لكان ذلك مفيدا لنجاسة الدم المسفوح و الميتة، و لكن لم يرد ما يفيد ذلك، بل النزاع كائن في رجوعه إلى الكل أو إلى الأقرب، و الظاهر الرجوع إلى الأقرب و هو لحم الخنزير، لإفراد الضمير و لهذا جزمنا هنا بنجاسة لحم الخنزير دون الدم الذي ليس بدم حيض. و من رام تحقيق الكلام في الخلاف الواقع في مثل هذا الضمير المذكور في الآية فليرجع إلى ما ذكره أهل الأصول في الكلام على القيد الواقع بعد جملة مشتملة على أمور متعددة ".
رابعاً: أما القياس فأنه غير صحيح لأنّ دم الحيض دم طبيعة وجِبِلَّة للنساء، قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ "إنَّ هذا شيءٌ كتبه اللهُ على بنات آدم" فَبَيَّنَ أنه مكتوب كتابة قَدريَّة كونيَّة، وقال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ في الاستحاضة: "إنَّه دَمُ عِرْقٍ" ففرَّق بينهما.
أنَّ الحيضَ دم غليظ منتنٌ له رائحة مستكرهة، فيُشبه البول والغائط، فلا يصحُّ قياس الدَّم الخارج من غير السَبيلَين على الدَّم الخارج من السَّبيلَين، وهو دم الحيض والنِّفاس والاستحاضة.
خامساً: لماذا تقولون دَمُ الشَّهيد عليه طاهر، ولهذا لم يأمُر النبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ بغَسْل الشُّهداء من دمائهم، إذ لو كان نجساً لأمر النبيُّ بغسله وهل هو طاهر لأنَّه دم شهيد، أم أنَّه طاهر لأنه دم آدمي؟ فعلى رأي الجمهور: لو انفصل عن الشَّهيد لكان نجساً, بل هو طاهر؛ لأنَّه دم آدمي. لماذا أذاً يفرّق , أم أنَّ أجزاء الآدميِّ طاهرة، فلو قُطِعَت يده لكانت طاهرة مع أنَّها تحمل دماً؛ ورُبَّما يكون كثيراً، فإِذا كان الجزء من الآدمي الذي يُعتبر رُكناً في بُنْيَة البَدَن طاهراً، فالدَّم الذي ينفصل منه ويخلفه غيره من باب أولى. أم أنَّ الآدمي ميْتَته طاهرة، والسَّمك ميْتته طاهرة، وعُلّل ذلك بأن دم السَّمك طاهر؛ لأن ميتته طاهرة، فكذا يُقال: إِن دم الآدمي طاهر، لأن ميتته طاهرة.
سادساً: أنّ الذين أستدل بحديث عمار رضي الله عنه مرفوعاً "إنما تغسل ثوبك من البول والغائط والقيء والدم والمني". لم يثبت من وجه صحيح ولا حسن ذكره الشوكاني في (السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار)
وأما الذين أستدلوا بأثر عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه أنه (كان لايرى بأس بالقطرة والقطرتين) رواه ابن أبي شيبة في " المصنف " (1/ 137 - 138). هذا الأثر ضعيف ضعفه الشيخ الألباني في تمام المنّة.
أذاً هذا الأثرين لايحتج بهما في المسألة.
سابعاً: أما التفريق بين القليل والكثير من حيث الجواز أو المنع ليس عليه دليل لأن النبّي عليه الصلاة والسلام عندما سؤل عن دم الحيض الذي يصيب الثوب شدد على أزالة ولو كان يسيراً، فنقول أثبتوا أولاً نجاسة الدَّمِ، ثم أثبتوا أنَّ اليسير معفوٌّ عنه، لأنَّ الأصل أنَّ النَّجس لا يُعْفَى عن شيء منه، لكن من قال بالطَّهارة، لا يحتاج إلا إلى دليل واحد فقط، وهو طهارة الدَّم فإن قيل: إنَّ فاطمة ـ رضي الله عنها ـ كانت تغسل الدَّمَ عن النبيِّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ في غزوة أُحُد وهذا يدلُّ على النَّجاسة, أُجيب من وجهين: