وما زال أهل العلم من السلف والخلف، يحذرون من أن تُغْشَى مجالس أهل الرئاسة والسيادة، إلا بالنصح والإرشاد والدلالة، مع الصبر على الأذى.
يقول الإمام مالك: " أدركت بضعة عشر رجلاً من التابعين يقولون: لا تأتوهم "، لأن النفوس تتشوف إلى الدنيا وتركن إليها، فيغلب على الإنسان ترك الحق، ويغلب على قلبه التساهل بالقيام بالحق، بل ربما الإغضاء عن بعض المسائل الظاهرة الجلية، طلباً لمصلحة تُزْعَم ونحو ذلك.
فالعلماء ليسوا كغيرهم من سواد الناس، فقد يغلب على أحد من الناس مطمع من الدنيا ويركن إليه، لا يؤخذ بقوله إن قال في دين الله شيئاً.
ومن نظر إلى فطرة الإنسان، وجدها ميالة للهوى، ولننظر إلى حاله على اختلاف ديانته، وملته، وعرقه، سواء أكان كافراً أو مسلماً أعجمياً أم عربياً، حاله مع الرئاسة والوجاهة وحالة قبل توليها وبعد تجرده منها، فإنه قبل الرئاسة أصوب بالنظر له، وتقويم الأمور ومعرفة الحق من الباطل وتمييزه، والفيصل فيه.
فحينما يأتي إلى ما هو من السيادة والحظوة في الناس يضطرب ويطيش وتطيش سهامه هنا وهناك، وحينما يدعها وراءه سواءً أكان مكرهاً أو راغباً فإنه يرجع إلى ما كان عليه قبلها، سواءً كانت الرئاسة في كفر أو في إيمان، رئاسة في دين أو في دنيا، وهذا معلوم في أحوال الناس ولذلك من نظر إلى حال أهل السيادة حتى في الغرب الكافر حينما يتولى الإنسان عن منصبه سواء بالعزل أو الرغبة، يطيش فكره ولسانه سباً وطعنا لما كان عليه، ويقول ما كان يحجم عنه قبل ذلك لأنه قد انتهت من قلبه تلك العلائق، وأخذ يقول قولاً لم يكن يقوله في السابق فرجع إلى ما كان عليه، فتجرد من الحظوة والنظر إلى حال الناس وعاد إلى ما كان عليه.
والإنسان لا يقال أنه يدع الدنيا والمتعة فيها بإطلاق، ولكنه ليعلم أن في الغالب أن الركون إلى مثل ذلك يملك القلب ويأسره ويجعل الإنسان وخاصة أهل العلم بين أمرين لا ثالث لهما:
أحدهما: إما أن ينقلب الميزان لديه، فيرى الباطل حقاً، ولا يرى الحق إلا باطلاً، ويلتمس الأعذار يمنة ويسرة، وتغيب عن قلبه خشية الله، والقيام بأمره، وكل ذلك لو تأمله بتدبر سببه الحظوة والنظر إلى المال والجاه.