وقد تكون العلة (1) حكماً شرعياً كتحريم بيع الخمر فلا يصح بيعه كالميتة.
وقد تكون وصفاً عارضاً محسوساً كالشدة في الخمر، أو وصفاً لازماً كالأنوثة في ولاية النكاح.
وقد تكون فعلاً من أفعال المكلفين كالقتل والسرقة.
وقد تكون وصفاً مجرداً وتعرف بالعلة البسيطة وهي التي لم تتركب من أجزاء مثل الطعم في تحريم الربا.
وقد تكون مركباً وتعرف بالعلة المركبة وهي التي تتركب من جزأين فأكثر بحيث لا يستقل كل واحد بالعلية مثل القتل العمد العدوان لمكافئ غير والد.
وقد تكون العلية عقلية وهي ما ستقل العقل بإدراكها. وقيل: وهي التي توجب الحكم بنفسها، كالحركة علة في كون المتحرك متحركاً.
وقد تكون العلة شرعية وهي ما توقف العقل في إدراكها على الشرع كالإسكار في الخمر.
ومن المقرر في دين الإسلام أن الأحكام الشرعية ما شرعت عبثاً، وإنما شرعت لمصلحة العباد في الدنيا والآخرة، وهي إما جلب مصلحة أو تكميلها، أو دفع مفسدة أو تقليلها. وهذا شامل لجميع أحكام الشريعة سواء كانت عبادات أم معاملات. فمن استقراء وتتبع الأحكام الشرعية في الكتاب والسنة وجدها لا تخرج عن هذا، ومن ذلك قول الله تعالى: ﴿فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر﴾ [البقرة: 184] فأباح للمريض والمسافر الفطر في رمضان وذلك لدفع المشقة عنهما. وقوله تعال: ﴿إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون﴾ [المائدة: 90] فحرم الشارع الخمر والميسر والحكمة من ذلك صيانة العقل ومنع ما يترتب عليها من مفاسد ومنها العداوة والبغضاء كما قال الله تعالى: ﴿إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون﴾ [المائدة:91]
فالملاحظ في الأحكام الشرعية هو تحقيق المصلحة: من جلب نفع أو دفع ضر. وهذه هي الحكمة التي أراد الشارع تحقيقها بتشريع ذلك الحكم.
والاعتبار في تقدير المصالح والمفاسد هو تقدير الشارع، وليس تقدير الناس، لأن الناس تختلف عقولهم، وتتباين أفهامهم، وتتعدد أهوائهم، وتكثر رغباتهم، فقد يقدمون مصالحهم الخاصة على المصالح العامة فتهدر المصالح العامة، وتسود الفوضى والاضطراب في الأحكام. كما أن الحكمة قد تكون خفية لا يمكن التحقق من وجودها، وقد تكون أمراً غير منضبط يختلف باختلاف الأحوال أو باختلاف الناس، لذلك لا يربط التشريع ـ غالباً ـ الحكم بحكمته، وإنما يربطه بالوصف الظاهر المنضبط، وهذا الوصف هو مظنة لتحقق حكمة الحكم حيث يغلب مع هذا الوصف تحقق الحكمة من الحكم وهو الذي يسميه
(1) انظر: الإبهاج (3/ 138)؛ شفاء الغليل (21)؛ الروضة (2/ 313).