الثاني: التقسيم غير الحاصر أو المنتشر: وهو الذي لا يدور بين النفي والإثبات، مثل أن يقول: علة تحريم الربا إما الطعم، أو الكيل، أو القوت، أو المالية فيبين بطلان علية غير الوصف الذي يدعي أنه العلة، فإذا أبطل غيره تعين هو للعلة. كأن يقول الشافعي مثلاً: بطل القوت والكيل والمالية بدليل كذا وكذا، فثبت الطعم.
ونظراً لأن التقسيم غير الحاصر لم يردد فيه الأوصاف بالنفي والإثبات، فإنه يجوز عقلاً وجود وصف آخر غير مذكور في التقسيم، كما أنه قد يتطرق الشك في بطلان الأوصاف الأخرى. ولذلك اختلف في حجة التقسيم غير الحاصر فذهب بعض الأصوليين إلى أنه ليس بحجه لا في القطعيات، ولا في الظنيات وذلك لجواز إبطال الأوصاف الباقية، وجواز أن تكون العلة وصفاً آخر غير الأوصاف التي ذكرت في التقسيم (1)
وذهب قوم إلى أنه حجة للناظر ومقلديه، دون المناظر؛ لأن ظنه لا تقوم به الحجة على غيره، فإذا قال المناظر: سبرت وبحثت فلم أجد دليلاً أو قسماً آخر، فإنه يقبل منه ذلك إذا كان في مقام الفتوى والاجتهاد، فأما المناظر فلا يقبل منه ذلك على خصمه، بل يجب على خصمه إظهار ذلك إن كان عنده لتحصل الفائدة ولا يكون كاتماً للعلم وقاصداً للعناد، فإذا لم يظهره دل ظاهراً على عدمه عنده أيضاً. وهذا اختيار الآمدي (2).
وقال أكثر الأصوليين: إلى أنه حجة في الشرعيات فقط، وذلك أن أغلب الأحكام الشرعية معللة، وفي الغالب أن العلة لا تخرج من هذه الأوصاف. وإذا ظهر بطلان ما عدا الوصف المستبقى غلب على الظن أنه هو العلة، لأنه يفيد الظن (3).
وهذا المسلك مبني على ثلاثة أمور:
الأول: أن يكون حكم الأصل معللاً.
الثاني: أن يكون التقسيم حاصراً لجميع ما يعلل به، كأن يقول المجتهد: بحثت فلم أجد غير هذه الأوصاف، والأصل عدم ما سواها، فيوافقه الخصم، أو يعجز عن إظهار وصف زائد. وهذا الحصر وما يتبعه من الإبطال متى ما كان قطعياً كان التعليل به قطعياً، ومتى ما كان ظنياً كان التعليل به ظنياً.
الثالث: إبطال ما سوى ذلك الوصف. ولإبطال الأوصاف التي لا تصلح للعلية طرق، وهي (4):
أولاً: الطردية: وهو وجود الحكم مع وجود الوصف الذي لا مناسبة بينه وبين الحكم لا بالذات
(1) انظر " البرهان في أصول الفقه " (2/ 35).
(2) انظر "الإحكام " للآمدي (3/ 291)، والمسودة (426).
(3) "المستصفى" (2/ 385)،" فواتح الرحموت" (2/ 525)،" تهذيب شرح الأسنوي " (3/ 116)،" نثر الورود " (2/ 487).
(4) المستصفى (2/ 386)،الآمدي (3/ 291)، المحصول (5/ 221)، فواتح الرحموت (2/ 527)،شرح الكوكب المنير (4/ 148)، نثر الورود على مراقي السعود (2/ 489).