المطلب الثاني: الأدلة من السنة
من تلك الأدلة ما أخرج مسلم عن جرير بن عبد الله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((أما إنكم تعرضون على ربكم فترونه كما ترون هذا القمر)) (1).
وأخرج الإمام أحمد عن حكيم بن معاوية عن أبيه قال: ((أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: ما أتيتك حتى حلفت عدد أصابعي هذه أن لا آتيك، أرانا عفان وطبق كفيه، فبالذي بعثك بالحق، ما الذي بعثك به؟ قال: الإسلام، قال: وما الإسلام؟ قال: أن تسلم قلبك لله تعالى، وأن توجه وجهك إلى الله تعالى، وتصلي الصلاة المكتوبة، وتؤدي الزكاة المفروضة، أخوان نصيران, لا يقبل الله عز وجل من أحد توبة أشرك بعد إسلامه، قلت: ما حق زوجة أحدنا عليه؟ قال: تطعمها إذا طعمت، وتكسوها إذا اكتسيت، ولا تضرب الوجه، ولا تقبح، ولا تهجر إلا في البيت. قال: تحشرون ها هنا - وأوما بيده نحو الشام - مشاة وركباناً وعلى وجوهكم، تعرضون على الله تعالى، وعلى أفواهكم الفدام، (2) وأول ما يعرب عن أحدكم فخذه، وقال: ما من مولى له، فيسأله من فضل عنده، فيمنعه، إلا جعل الله تعالى عليه شجاعاً ينهشه قبل القضاء)) (3).
وهذه الأحاديث تدل على حصول عرض العباد على ربهم، وقد جاء في عرض أعمال العباد: أن المؤمن تعرض أعماله بكل يسر وسهولة دون مناقشة واستقصاء، كما جاء في حديث عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من نوقش الحساب عذب، قالت: قلت: أليس يقول الله تعالى: فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا [الانشقاق: 8]؟ قال: ذلك العرض)) (4).
(1) رواه مسلم (633).
(2) الفدام: هو ما يشد على فم الإبريق والكوز من خرقة لتصفية الشراب الذي فيه، أي أنهم يمنعون الكلام بأفواههم حتى تتكلم جوارحهم فشبه ذلك بالفدام. ((النهاية)) لابن الأثير (3/ 421).
(3) رواه أبو داود (2142)، وابن ماجه (1850)، وأحمد (4/ 447) (20027)، والنسائي في ((السنن الكبرى)) (5/ 373) (9171). والحديث سكت عنه أبو داود، وحسنه النووي في ((رياض الصالحين)) (149) وابن حجر في ((تخريج مشكاة المصابيح)) (3/ 301) كما أشار إلى ذلك في المقدمة، وصحح إسناده أحمد شاكر في ((عمدة التفسير)) (1/ 277)، وقال الألباني في ((صحيح سنن أبي داود)): حسن صحيح.
(4) رواه البخاري (103). من حديث عائشة رضي الله عنها.