عَلَى مَا وَرَدَ عَلَيْهِ النَّفْيُ , فَلَا حَاجَةَ إلَى اشْتِرَاطِ اتِّحَادِ الْمَحَلِّ وَالزَّمَانِ لِتَغَايُرِ حِلِّ الْمَنْكُوحَةِ وَحِلِّ أُمِّهَا , وَكَذَا الْحِلُّ قَبْلَ الْحَيْضِ , وَعِنْدَهُ وَإِلَّا فَلَا بُدَّ مِنْ اشْتِرَاطِ أُمُورٍ أُخْرَى مِثْلَ اتِّحَادِ الْمَكَانِ وَالشَّرْطِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا لَا بُدَّ مِنْهُ فِي تَحَقُّقِ التَّنَاقُضِ. وَجَوَابُهُ أَنَّ اشْتِرَاطَ اتِّحَادِ الْمَحَلِّ وَالزَّمَانِ زِيَادَةُ تَوْضِيحٍ وَتَنْصِيصٍ عَلَى مَا هُوَ مِلَاكُ الْأَمْرِ فِي بَابِ التَّنَاقُضِ , فَإِنَّهُ كَثِيرًا مَا يَنْدَفِعُ التَّرْجِيحُ بِاخْتِلَافِ الْمَحَلِّ وَالزَّمَانِ , ثُمَّ التَّعَارُضُ لَا يَقَعُ بَيْنَ الْقَطْعِيَّيْنِ لِامْتِنَاعِ وُقُوعِ الْمُتَنَافِيَيْنِ , وَلَا يُتَصَوَّرُ التَّرْجِيحُ ; لِأَنَّهُ فَرْعُ التَّفَاوُتِ فِي احْتِمَالِ النَّقِيضِ , فَلَا يَكُونُ إلَّا بَيْنَ الظَّنِّيَّيْنِ. وَفِي قَوْلِهِ: فَإِنْ تَسَاوَيَا قُوَّةً إشَارَةٌ إلَى جَوَازِ تَحَقُّقِ التَّعَارُضِ مِنْ غَيْرِ تَرْجِيحٍ عَلَى مَا هُوَ الصَّحِيحُ إذْ لَا مَانِعَ مِنْ ذَلِكَ وَالْحُكْمُ حِينَئِذٍ هُوَ التَّوَقُّفُ وَجَعْلُ الدَّلِيلَيْنِ بِمَنْزِلَةِ الْعَدَمِ لَا يُلْزِمُ اجْتِمَاعَ النَّقِيضَيْنِ , أَوْ ارْتِفَاعَهُمَا , أَوْ التَّحَكُّمَ كَمَا لَا يَلْزَمُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ عِنْدَ عَدَمِ شَيْءٍ مِنْ الدَّلِيلَيْنِ. وَالتَّرْجِيحُ فِي اللُّغَةِ جَعْلُ الشَّيْءِ رَاجِحًا أَيْ فَاضِلًا زَائِدًا وَيُطْلَقُ مَجَازًا عَلَى اعْتِقَادِ الرُّجْحَانِ. وَفِي الِاصْطِلَاحِ بَيَانُ الرُّجْحَانِ أَيْ الْقُوَّةِ الَّتِي لِأَحَدِ الْمُتَعَارِضَيْنِ عَلَى الْآخَرِ , وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِمْ: هُوَ اقْتِرَانُ الدَّلِيلِ الظَّنِّيِّ بِأَمْرٍ يَقْوَى بِهِ عَلَى مُعَارِضِهِ وَاشْتُرِطَ أَنْ يَكُونَ تَابِعًا حَتَّى لَوْ قَوِيَ أَحَدُهُمَا بِمَا هُوَ غَيْرُ تَابِعٍ لَهُ لَا يَكُونُ رُجْحَانًا , فَلَا يُقَالُ: النَّصُّ رَاجِحٌ عَلَى الْقِيَاسِ لِعَدَمِ التَّعَارُضِ , وَهَذَا مَاخُوذٌ مِنْ مَعْنَاهُ اللُّغَوِيِّ , وَهُوَ إظْهَارُ زِيَادَةِ أَحَدِ الْمِثْلَيْنِ عَلَى الْآخَرِ وَصْفًا لَا أَصْلًا مِنْ قَوْلِك رَجَّحْت الْوَزْنَ إذَا زِدْت جَانِبَ الْمَوْزُونِ حَتَّى مَالَتْ كِفَّتُهُ , فَلَا بُدَّ مِنْ قِيَامِ التَّمَاثُلِ أَوَّلًا , ثُمَّ ثُبُوتِ الزِّيَادَةِ بِمَا هُوَ بِمَنْزِلَةِ التَّابِعِ وَالْوَصْفِ بِحَيْثُ لَا تَقُومُ بِهِ الْمُمَاثَلَةُ ابْتِدَاءً , وَلَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْوَزْنِ مُنْفَرِدًا عَنْ الْمَزِيدِ عَلَيْهِ قَصْدًا فِي الْعَادَةِ. قَالَ الْإِمَامُ السَّرَخْسِيُّ رحمه الله تعالى: لَا تُسَمَّى زِيَادَةُ دِرْهَمٍ عَلَى الْعَشَرَةِ فِي أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ رُجْحَانًا ; لِأَنَّ الْمُمَاثَلَةَ تَقُومُ بِهِ لَا أَصْلًا وَتُسَمَّى زِيَادَةُ الْحَبَّةِ وَنَحْوِهَا رُجْحَانًا ; لِأَنَّ الْمُمَاثَلَةَ لَا تَقُومُ بِهَا عَادَةً , وَهَذَا مِنْ ﴿قَوْلِهِ: عليه الصلاة والسلام لِلْوَزَّانِ حِينَ اشْتَرَى سَرَاوِيلَ بِدِرْهَمَيْنِ: زِنْ وَأَرْجِحْ , فَإِنَّا مَعَاشِرُ الْأَنْبِيَاءِ هَكَذَا نَزِنُ﴾ فَمَعْنَى أَرْجِحْ زِدْ عَلَيْهِ فَضْلًا قَلِيلًا يَكُونُ تَابِعًا لَهُ بِمَنْزِلَةِ الْأَوْصَافِ كَزِيَادَةِ الْجَوْدَةِ لَا قَدْرًا يُقْصَدُ بِالْوَزْنِ عَادَةً لِلُزُومِ الرِّبَا فِي قَضَاءِ الدُّيُونِ إذْ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هِبَةً لِبُطْلَانِ هِبَةِ الْمُشَاعِ فَظَهَرَ أَنَّ جَعْلَهُ بِمَنْزِلَةِ الْجَوْدَةِ أَوْلَى مِنْ جَعْلِهِ فِي حُكْمِ الْعَدَمِ عَلَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى ; لِأَنَّهُ أَوْفَى بِتَحْقِيقِ مَعْنَى التَّبَعِيَّةِ. (قَوْلُهُ: وَالْعَمَلُ بِالْأَقْوَى) يَعْنِي إذَا دَلَّ دَلِيلٌ عَلَى ثُبُوتِ شَيْءٍ وَالْآخَرُ عَلَى انْتِفَائِهِ فَإِمَّا أَنْ يَتَسَاوَيَا فِي الْقُوَّةِ , أَوْ لَا وَعَلَى الثَّانِي إمَّا أَنْ تَكُونَ زِيَادَةُ أَحَدِهِمَا بِمَا هُوَ بِمَنْزِلَةِ التَّابِعِ , أَوْ لَا فَفِي الصُّورَةِ الْأُولَى مُعَارَضَةٌ , وَلَا تَرْجِيحَ. وَفِي الثَّانِيَةِ مُعَارَضَةٌ مَعَ تَرْجِيحٍ. وَفِي الثَّالِثَةِ لَا مُعَارَضَةَ حَقِيقَةً , فَلَا تَرْجِيحَ لِابْتِنَائِهِ عَلَى التَّعَارُضِ الْمُنْبِئِ عَنْ التَّمَاثُلِ , وَحُكْمُ الصُّورَتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ أَنْ يُعْمَلَ بِالْأَقْوَى وَيُتْرَكَ الْأَضْعَفُ لِكَوْنِهِ فِي حُكْمِ الْعَدَمِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْأَقْوَى , وَأَمَّا الصُّورَةُ الْأُولَى أَعْنِي تَعَارُضَ الدَّلِيلَيْنِ الْمُتَسَاوِيَيْنِ فِي الْقُوَّةِ سَوَاءٌ تَسَاوَيَا فِي الْعَدَدِ كَالتَّعَارُضِ بَيْنَ آيَةٍ وَآيَةٍ , أَوْ لَا كَالتَّعَارُضِ بَيْنَ آيَةٍ وَآيَتَيْنِ , أَوْ سُنَّةٍ وَسُنَّتَيْنِ , أَوْ قِيَاسَ وَقِيَاسَيْنِ , فَإِنَّ ذَلِكَ أَيْضًا مِنْ قَبِيلِ الْمُتَسَاوِيَيْنِ إذْ لَا تَرْجِيحَ , وَلَا قُوَّةَ بِكَثْرَةِ الْأَدِلَّةِ حَتَّى لَا يُتْرَكَ الدَّلِيلُ الْوَاحِدُ بِالدَّلِيلَيْنِ فَحُكْمُهَا أَنَّهُ إنْ كَانَ التَّعَارُضُ بَيْنَ قِيَاسَيْنِ يُعْمَلُ بِأَيِّهِمَا شَاءَ , وَإِنْ كَانَ بَيْنَ آيَتَيْنِ , أَوْ قِرَاءَتَيْنِ , أَوْ سُنَّتَيْنِ قَوْلِيَّيْنِ , أَوْ فِعْلِيَّيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ , أَوْ آيَةٍ وَسُنَّةٍ فِي قُوَّتِهَا كَالْمَشْهُورِ وَالْمُتَوَاتِرِ , فَإِنْ عَمَّ الْمُتَأَخِّرُ مِنْهُمَا فَنَاسِخٌ إذْ لَوْ لَمْ يَصْلُحْ الْمُتَأَخِّرُ نَاسِخًا كَخَبَرِ الْوَاحِدِ الْمُتَأَخِّرِ عَنْ الْكِتَابِ , أَوْ السُّنَّةِ الْمَشْهُورَةِ , فَهُوَ لَيْسَ مِنْ قَبِيلِ تَعَارُضِ التَّسَاوِي بَلْ الْمُتَقَدِّمُ رَاجِحٌ وَإِلَّا فَإِنْ أَمْكَنَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِاعْتِبَارِ مُخَلِّصٍ مِنْ الْحُكْمِ , أَوْ الْمَحَلِّ , أَوْ الزَّمَانِ فَذَاكَ وَإِلَّا يُتْرَكْ الْعَمَلُ بِالدَّلِيلَيْنِ وَحِينَئِذٍ إنْ أَمْكَنَ الْمَصِيرُ مِنْ الْكِتَابِ , إلَى السُّنَّةِ ,
الاجتهاد والتقليد وتقليد غير الأئمة الأربعة · الصفحة ٩١
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
الاجتهاد والتقليد وتقليد غير الأئمة الأربعةص ٩١
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي