تعالى لعن لذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داوود وعيسى بن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون أتراه مانعا من لعن من كفر من غير بني إسرائيل وكذلك قوله تعالى أحل لكم صيد لبحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة وحرم عليكم صيد لبر ما دمتم حرما وتقوا لله لذي إليه تحشرون أتراه مانعا من أكل الثمار والحبوب وما ليس من صيد البحر ولا طعامه كما قال المالكيون إن قوله تعالى ولخيل ولبغال ولحمير لتركبوها وزينة ويخلق ما لا تعلمون مانع من أكل الخيل إذ لم يذكر الأكل وإذا عارضوا بهذه الآية الحديث الذي فيه إباحة للخيل فهلا عارضوا بالآية التي ذكرنا إباحة كل ما اختلف فيه فحرموه بها ويقال لهم أترون قوله أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها مسقطا لقتلهم إن جحدوا نبوة موسى وعيسى عليهما السلام
359 ويقال لهم لو كان قولكم حقا إن الشيء إذا علق بصفة ما دل على أن ما عداه بخلافه لكان قول القائل مات زيد كذبا لأنه كان يوجب على حكمهم أن غير زيد لم يمت وكذلك زيد كاتب وكذلك محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان ذلك يوجب ألا يكون غيره رسول الله صلى الله عليه وسلم ويلزمهم أيضا إذ قالوا بما ذكرنا أن يبيحوا قتل الأولاد لغير الإملاق لأن الله تعالى إنما قال ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم إن قتلهم كان خطئا كبيرا ويلزمهم في قوله تعالى وآمنوا بمآ أنزلت مصدقا لما معكم ولا تكونوا أول كافر به ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا وإياي فتقون إن ذلك مبيح لأن يشترى بها ثمن كثير فلما تركوا مذهبهم في كل ما ذكرنا وكان قول القائل مات زيد وزيد كاتب ومحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ومسيلمة كذاب حقا ولم يكن في ذلك منع من أن غير زيد قد مات وأن غير زيد كتاب كثير وأن موسى وعيسى وإبراهيم رسل الله وأن الأسود العنسي والمغيرة الجلاح وبناتا كذابون بطل قول هؤلاء القوم إن الخطاب إذا ورد بصفة ما وفي اسم ما أو في زمان ما أن ما عداه بخلاف ولا يغلط علينا من سمع كلامنا هذا فيظن أننا إذ أنكرنا قولهم إن غير المذكور بخلاف المذكور إننا نقول إن غير المذكور موافق للمذكور بل كلا الأمرين عندنا خطأ فاحش وبدعة عظيمة وافتراء بغير هدى ولكنا نقول إن الخطاب لا يفهم منه إلا ما قضي لفظه فقط وأن لكل قضية حكم اسمها فقط وما عداه فغير محكوم له لا بوفاقها ولا بخلافها لكنا نطلب دليل ما عداها من نص وارد اسمه وحكم مسموع فيه أو من إجماع ولا بد من أحدهما وبالله تعالى التوفيق
360 فصل في عظيم تناقضهم في هذا الباب قال أبو محمد وبالجملة فإن مذهبهم في القياس ومذهبهم في دليل الخطاب ومذهبهم في الخصوص مذاهب يبطل بعضها بعضا ويهدم بعضها بعضا وذلك أنهم قالوا في القياس إذا نص على حكم ما فنحن ندخل ما لا ينص عليه في حكم المنصوص عليه ونتبع السنة ما لا سنة فيه فإذا أوجب الربا في البر بالبر أوجبناه نحن في التبن بالتبن وإذا وجبت الكفارة على العامد في الصيد أوجبناه نحن على المخطىء وقالوا في دليل الخطاب إذا نص على حكم ما فنحن نخرج ما لم ينص عليه من حكم المنصوص عليه ولا نتبع السنة ما لا سنة فيه فقالت طوائف منهم لا نزكي غير السائمة لأنه ذكرت السائمة في بعض الأحاديث وقالت طائفة منهم لا نأكل الخيل لأنه إنما ذكر في الآية الركوب والزينة وقالت طوائف منهم لا نقضي بالمتعة إلا التي طلقت ولم تمس ولا فرض لها لأن هذه قد ذكرت بصفتها في بعض الآيات قال أبو محمد وهذا ضد قولهم في القياس وإبطاله وقالوا في الخصوص لا نقضي لجميع ما اقتضاه النص لكن نخرج منه بعض ما يقع عليه لفظ فقالوا في قوله تعالى يستفتونك قل لله يفتيكم في لكلالة إن مرؤ هلك ليس له