تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بِأَحْوَالِ أَقْرَانِهِمْ ثُمَّ اشْتِهَارُ مَذَاهِبِهِمْ فِي سَائِرِ الْأَقْطَارِ وَاجْتِمَاعُ الْقُلُوبِ عَلَى الْأَخْذِ بِهَا دُونَ مَا سِوَاهَا إلَّا قَلِيلًا عَلَى مَرِّ الْأَعْصَارِ مِمَّا يَشْهَدُ بِصَلَاحِ طَوِيَّتِهِمْ وَجَمِيلِ سَرِيرَتِهِمْ وَمُضَاعَفَةِ مَثُوبَتِهِمْ وَرِفْعَةِ دَرَجَتِهِمْ - تَغَمَّدَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى بِرَحْمَتِهِ وَأَعْلَى مَقَامَهُمْ فِي بُحْبُوحَةِ جَنَّتِهِ وَحَشَرَنَا مَعَهُمْ فِي زُمْرَةِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعِتْرَتِهِ وَصَحَابَتِهِ وَأَدْخَلَنَا وَصُحْبَتَهُمْ دَارَ كَرَامَتِهِ.

وفي الفتاوى الفقهية الكبرى:

(الْفَصْلُ الثَّانِي فِيمَا يُنْقَضُ فِيهِ قَضَاءُ الْقَاضِي وَمَا لَا يُنْقَضُ)

اعْلَمْ أَنَّ الِاجْتِهَادَ لَا يُنْقَضُ بِالِاجْتِهَادِ وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ كَمَا نَقَلَهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ وَأَنَّ أَبَا بَكْرٍ حَكَمَ فِي مَسَائِلَ خَالَفَهُ عُمَرُ رضي الله عنهما فِيهَا وَلَمْ يَنْقُضْ حُكْمَهُ وَحَكَمَ عُمَرُ فِي الْمُشَرَّكَةِ بِعَدَمِ الْمُشَارَكَةِ ثُمَّ بِالْمُشَارَكَةِ وَقَالَ ذَاكَ عَلَى مَا قَضَيْنَا وَهَذَا عَلَى مَا نَقْضِي وَقَضَى فِي الْجَدِّ قَضَايَا مُخْتَلِفَةً وَإِنَّمَا امْتَنَعَ النَّقْضُ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى أَنْ لَا يَسْتَقِرَّ حُكْمٌ وَفِيهِ مِنْ الْمَشَقَّةِ مَا لَا يُطَاقُ وَلِأَنَّ الِاجْتِهَادَ الثَّانِي لَيْسَ بِأَقْوَى مِنْ الْأَوَّلِ قَطْعًا وَإِنَّمَا الظُّنُونُ فِي ذَلِكَ مُتَفَاوِتَةٌ وَمِنْ ثَمَّ يَجِبُ عَلَى الْقَاضِي أَنْ يَنْقُضَ حُكْمَهُ وَحُكْمَ غَيْرِهِ وَإِنْ لَمْ يُرْفَعْ إلَيْهِ كَمَا ذَكَرَهُ جَمْعٌ مُتَقَدِّمُونَ. وَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الشَّيْخَيْنِ مِنْ التَّوَقُّفِ عَلَى الرَّفْعِ مُنَازَعٌ فِيهِ إذَا خَالَفَ قَطْعِيًّا كَنَصِّ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ مُتَوَاتِرَةٍ أَوْ إجْمَاعٍ أَوْ ظَنِّيًّا وَاضِحَ الدَّلَالَةِ كَخَبَرِ الْوَاحِدِ وَالْقِيَاسِ الْجَلِيِّ وَهُوَ مَا قُطِعَ فِيهِ بِنَفْيِ تَاثِيرِ الْفَارِقِ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ أَوْ بِعَدَمِ تَاثِيرِهِ كَقِيَاسِ الضَّرْبِ عَلَى التَّافِيفِ أَوْ نَصَّ فِيهِ عَلَى الْعِلَّةِ , وَذَلِكَ لِلْإِجْمَاعِ فِي مُخَالِفِ الْإِجْمَاعِ وَقِيَاسًا عَلَيْهِ فِي الْبَقِيَّةِ , وَفِي تَعْبِيرِهِمْ بِالنَّقْضِ مُسَامَحَةٌ إذْ الْمُرَادُ بِهِ أَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ مِنْ أَصْلِهِ وَذَكَرَ الْأَئِمَّةُ لِبَعْضِ ذَلِكَ أَمْثِلَةً كَنَفْيِ خِيَارِ الْمَجْلِسِ , وَالْعَرَايَا , وَالْقَوَدِ فِي الْمُثْقَلِ , وَكَقَتْلِ مُسْلِمٍ بِذِمِّيٍّ , وَصِحَّةِ بَيْعِ أُمِّ الْوَلَدِ , وَنِكَاحِ الشِّغَارِ , وَالْمُتْعَةِ , وَزَوْجَةِ الْمَفْقُودِ بَعْد أَرْبَعِ سِنِينَ , وَالْعِدَّةِ , وَكَتَحْرِيمِ الرَّضَاعِ بَعْدَ حَوْلَيْنِ , وَاخْتَلَفُوا فِي نَقْضِهَا ; وَأَكْثَرُهُمْ عَلَى النَّقْضِ , وَفِيهِ تَحْرِيرٌ لَيْسَ هَذَا مَحَلَّ بَسْطِهِ , قَالَ الْقَرَافِيُّ وَيَنْقُضُ أَيْضًا مَا خَالَفَ الْقَوَاعِدَ الْكُلِّيَّةَ , قَالَتْ الْحَنَفِيَّةُ: أَوْ كَانَ حُكْمًا لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ , قَالَ السُّبْكِيّ وَمَا خَالَفَ شَرْطَ الْوَاقِفِ كَمُخَالِفِ النَّصِّ , وَمَا خَالَفَ الْمَذَاهِبَ الْأَرْبَعَةَ كَمُخَالِفِ الْإِجْمَاعِ. قَالَ وَأَمَّا مُجَرَّدُ التَّعَارُضِ كَقِيَامِ بَيِّنَةٍ بَعْد الْحُكْمِ بِخِلَافِ مَا قَامَتْ بِهِ الْبَيِّنَةُ الَّتِي حُكِمَ فِيهَا فَلَا نَقْلَ فِيهِ وَاَلَّذِي يَتَرَجَّحُ أَنَّهُ لَا نَقْضَ بِهِ , وَأَطَالَ فِي تَقْرِيرِهِ , لَكِنْ وَقَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ابْنِ الصَّلَاحِ مُخَالَفَةٌ فِي شَهَادَةٍ بِقِيمَةِ الْمِثْلِ حَكَمَ بِهَا ثُمَّ شَهِدَ آخَرَانِ بِأَنَّ مَا حَكَمَ بِهِ دُونَ قِيمَةِ الْمِثْلِ وَقَدْ بَيَّنْتُ الرَّاجِحَ مِنْ ذَلِكَ وَمَا فِيهِ مِنْ التَّفْصِيلِ فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ وَالْفَتَاوَى وَيَجِبُ عَلَى الْقَاضِي أَيْضًا أَنْ يَنْقُضَ جَمِيعَ أَحْكَامِ مَنْ قَبْلَهُ إذَا كَانَ غَيْرَ أَهْلٍ وَإِنْ أَصَابَ فِيهَا كَذَا قَالُوهُ وَقَيَّدَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ أَخْذًا مِنْ كَلَامِ الْغَزَالِيِّ وَغَيْرِهِ بِمَنْ لَمْ يُوَلِّهِ ذُو شَوْكَةٍ لِنُفُوذِ أَحْكَامِ مَنْ وَلَّاهُ وَلَوْ مَعَ الْجَهْلِ وَالْفِسْقِ بَلْ وَإِنْ كَانَ امْرَأَةً عَلَى أَحَدِ وَجْهَيْنِ فِي الْبَحْرِ قَالَ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا نَقْلًا عَنْ الْغَزَالِيِّ وَلَوْ اُسْتُقْضِيَ مُقَلِّدٌ لِلضَّرُورَةِ فَحَكَمَ بِمَذْهَبِ غَيْرِ مَنْ قَلَّدَهُ لَمْ يُنْقَضْ حُكْمُهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ لِلْمُقَلِّدِ تَقْلِيدَ مَنْ شَاءَ أَيْ وَهُوَ الْأَصَحُّ. قِيلَ وَهَذَا إنَّمَا ذَكَرَهُ الْغَزَالِيُّ بَحْثًا لَهُ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُهُ فِي الْمُسْتَصْفَى وَغَيْرِهِ ا هـ وَيُرَدُّ بِأَنَّا وَإِنْ سَلَّمْنَا أَنَّهُ بَحْثٌ لَهُ فَهُوَ بَحْثٌ ظَاهِرٌ وَكَفَى بِتَقْرِيرِ الشَّيْخَيْنِ وَغَيْرِهِمَا لَهُ وَأَمَّا إطْلَاقُ الْأَنْوَارِ النَّقْضَ فَفِيهِ نَظَرٌ , لِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ فِي كَلَامِ الرَّافِعِيِّ كَالْغَزَالِيِّ عَلَى الضَّعِيفِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْمُقَلَّدِ اتِّبَاعُ مَنْ شَاءَ وَمِنْ ثَمَّ اعْتَرَضَ الْأَنْوَارَ شَارِحُهُ فَقَالَ وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ إطْلَاقِ النَّقْضِ مَمْنُوعٌ ا هـ فَإِنْ قُلْتَ هَذَا لَا يَتَأَتَّى فِي قُضَاةِ زَمَانِنَا لِأَنَّ مُوَلِّيَهُمْ يَشْرِطُ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمْ أَنْ يَحْكُمَ بِمَذْهَبِ مُقَلِّدِهِ دُونَ غَيْرِهِ ا هـ قُلْتُ إنَّمَا يَاتِي ذَلِكَ إنْ قُلْنَا بِصِحَّةِ التَّوْلِيَةِ وَلُزُومِ الشَّرْطِ وَفِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ قَالَ الرَّافِعِيُّ لَوْ شَرَطَ عَلَى النَّائِبِ أَنْ يُخَالِفَ اجْتِهَادَهُ أَوْ اجْتِهَادَ مُقَلِّدِهِ

الاجتهاد والتقليد وتقليد غير الأئمة الأربعة · الصفحة ٤٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الاجتهاد والتقليد وتقليد غير الأئمة الأربعةص ٤٣