تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

نَقْلِ الْمَعْنَى دُونَ اللَّفْظِ , وَقَدْ يَكُونُ فَاعِلُ ذَلِكَ مِمَّنْ يُعَلِّلُ الْمَنْعَ فِي صُورَةِ الْفَرْضِ بِمَا يُفْضِي إلَيْهِ مِنْ التَّحْرِيفِ غَالِبًا , وَهَذَا الْمَعْنَى مَوْجُودٌ فِي أَلْفَاظِ أَكْثَرِ الْأَئِمَّةِ , فَمَنْ عَرَفَ حَقِيقَةَ هَذِهِ الْأَسْبَابِ: رُبَّمَا رَأَى تَرْكَ التَّصْنِيفِ أَوْلَى , إنْ لَمْ يَحْتَرِزْ عَنْهَا , لِمَا يَلْزَمُ مِنْ هَذِهِ الْمَحَاذِيرِ وَغَيْرِهَا غَالِبًا , فَإِنْ قِيلَ: يَرُدُّ هَذَا فِعْلُ الْقُدَمَاءِ وَإِلَى الْآنَ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ , وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى الْجَوَازِ , وَإِلَّا امْتَنَعَ عَلَى الْأَئِمَّةِ تَرْكُ الْإِنْكَارِ إذَنْ , ﴿وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ﴾ وَنَحْوُهَا مِنْ نُصُوصِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. قُلْت: الْأَوَّلُونَ لَمْ يَفْعَلُوا شَيْئًا مِمَّا عَنَيْنَاهُ , فَإِنَّ الصَّحَابَةَ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمْ تَالِيفٌ , فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ , وَفِعْلُهُمْ غَيْرُ مُلْزِمٍ لِمَنْ لَا يَعْتَقِدُهُ حُجَّةً , بَلْ لَا يَكُونُ مُلْزِمًا لِبَعْضِ الْعَوَّام عِنْدَ مَنْ لَا يَرَى أَنَّ الْعَامِّيَّ مَلْزُومٌ بِالْتِزَامِهِ مَذْهَبَ إمَامٍ مُعَيَّنٍ , فَإِنْ قِيلَ: إنَّمَا فَعَلُوا ذَلِكَ لِيَحْفَظُوا الشَّرِيعَةَ مِنْ الْإِغْفَالِ وَالْإِهْمَالِ , قُلْنَا: قَدْ كَانَ أَحْسَنُ مِنْ هَذَا فِي حِفْظِهَا أَنْ يُدَوِّنُوا الْوَقَائِعَ وَالْأَلْفَاظَ النَّبَوِيَّةَ وَفَتَاوَى الصَّحَابَةِ , وَمَنْ بَعْدَهُمْ عَلَى جِهَاتِهَا وَصِفَاتِهَا , مَعَ ذِكْرِ أَسْبَابِهَا كَمَا ذَكَرْنَا سَابِقًا حَتَّى يَسْهُلَ عَلَى الْمُجْتَهِدِ مَعْرِفَةُ مُرَادِ كُلِّ إنْسَانٍ بِحَسَبِهِ , فَيُقَلِّدُهُ عَلَى بَيَانٍ وَإِيضَاحٍ , وَإِنَّمَا عَنَيْنَا مَا وَقَعَ فِي التَّآلِيفِ مِنْ هَذِهِ الْمَحَاذِيرِ , لَا مُطْلَقَ التَّالِيفِ , وَكَيْفَ يُعَابُ مُطْلَقًا؟ وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم ﴿قَيِّدُوا الْعِلْمَ بِالْكِتَابَةِ﴾ فَلَمَّا لَمْ يُمَيِّزُوا فِي الْغَالِبِ مَا نَقَلُوهُ مِمَّا خَرَّجُوهُ , وَلَا مَا عَلَّلُوهُ مِمَّا أَهْمَلُوهُ , وَغَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا سَبَقَ بِأَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ مَا عِبْنَاهُ وَبَيْنَ مَا صَنَّفْنَاهُ , وَأَكْثَرُ هَذِهِ الْأُمُورِ الْمَذْكُورَةِ يُمْكِنُ أَنْ أَذْكُرَهَا مِنْ ذِكْرِ الْمَذْهَبِ مَسْأَلَةً مَسْأَلَةً , لَكِنَّهُ يَطُولُ هُنَا , وَإِذَا عَلِمْت عَقْدَ اعْتِذَارِنَا , وَخِيَرَةَ اخْتِيَارِنَا , فَنَقُولُ: الْأَحْكَامُ الْمُسْتَفَادَةُ مِنْ مَذْهَبِنَا وَغَيْرِهِ مِنْ اللَّفْظِ: أَقْسَامٌ كَثِيرَةٌ , مِنْهَا: أَنْ يَكُونَ لَفْظُ الْإِمَامِ رضي الله عنه بِعَيْنِهِ , أَوْ إيمَائِهِ , أَوْ تَعْلِيلِهِ , أَوْ سِيَاقِ كَلَامِهِ وَمِنْهَا: أَنْ يَكُونَ مُسْتَنْبَطًا مِنْ لَفْظِهِ: إمَّا اجْتِهَادًا مِنْ الْأَصْحَابِ , أَوْ بَعْضِهِمْ , وَمِنْهَا: مَا قِيلَ " إنَّهُ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ ". وَمِنْهَا: مَا قِيلَ " إنَّهُ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ " وَمِنْهَا مَا قِيلَ " إنَّهُ الْمَشْهُورُ مِنْ الْمَذْهَبِ " , وَمِنْهَا: مَا قِيلَ " نَصَّ عَلَيْهِ " يَعْنِي الْإِمَامَ أَحْمَدَ رضي الله عنه , وَلَمْ يَتَعَيَّنْ لَفْظُهُ , وَمِنْهَا: مَا قِيلَ " إنَّهُ ظَاهِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ " وَلَمْ يُعَيِّنْ قَائِلُهُ لَفْظَ الْإِمَامِ رضي الله عنه وَمِنْهَا: مَا قِيلَ " وَيَحْتَمِلُ كَذَا " وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ يُرِيدُ بِذَلِكَ كَلَامَ الْإِمَامِ رضي الله عنه , أَوْ غَيْرَهُ , وَمِنْهَا: مَا ذُكِرَ مِنْ الْأَحْكَامِ سَرْدًا , وَلَمْ يُوصَفْ بِشَيْءٍ أَصْلًا , فَيَظُنُّ سَامِعُهُ: أَنَّهُ مَذْهَبُ الْإِمَامِ رضي الله عنه , وَرُبَّمَا كَانَ بَعْضُ الْأَقْسَامِ الْمَذْكُورَةِ آنِفًا , وَمِنْهَا: مَا قِيلَ " إنَّهُ مَشْكُوكٌ فِيهِ " , وَمِنْهَا: مَا قِيلَ " إنَّهُ تَوَقَّفَ فِيهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ رضي الله عنه وَلَمْ يَذْكُرْ لَفْظَهُ فِيهِ " , وَمِنْهَا: مَا قَالَ فِيهِ بَعْضُهُمْ " اخْتِيَارِيٌّ " وَلَمْ يَذْكُرْ لَهُ أَصْلًا مِنْ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ رضي الله عنه أَوْ غَيْرِهِ , وَمِنْهَا: مَا قِيلَ " إنَّهُ خَرَجَ عَلَى رِوَايَةِ كَذَا " أَوْ " عَلَى قَوْلِ كَذَا " وَلَمْ يَذْكُرْ لَفْظَ الْإِمَامِ رضي الله عنه فِيهِ , وَلَا تَعْلِيلَهُ , وَمِنْهَا: أَنْ يَكُونَ مَذْهَبًا لِغَيْرِ الْإِمَامِ رضي الله عنه وَلَمْ يُعَيَّنْ رَبُّهُ , وَمِنْهَا: أَنْ يَكُونَ لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ , لَكِنْ الْقَوْلُ بِهِ لَا يَكُونُ خَرْقًا لِإِجْمَاعِهِمْ , وَمِنْهَا: أَنْ يَكُونَ بِحَيْثُ يَصِحُّ تَخْرِيجُهُ عَلَى وَفْقِ مَذَاهِبِهِمْ , لَكِنَّهُمْ لَمْ يَتَعَرَّضُوا لَهُ بِنَفْيٍ وَلَا إثْبَاتٍ. انْتَهَى كَلَامُ ابْنِ حَمْدَانَ. وَفِي بَعْضِهِ شَيْءٌ وَقَعَ هُوَ فِيهِ فِي تَصَانِيفِهِ , وَلَعَلَّهُ بَعْدَ تَصْنِيفِ هَذَا الْكِتَابِ , وَوَقَعَ لِلْمُصَنِّفِ وَغَيْرِهِ حِكَايَةُ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ الْأَخِيرَةِ فِي كُتُبِهِمْ , وَتَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَى مَا هُوَ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ وَأَعْظَمُ فَائِدَةً فِي الْخُطْبَةِ فِي الْكَلَامِ عَلَى مُصْطَلَحِ الْمُصَنِّفِ فِي كِتَابِهِ هَذَا , مَعَ أَنِّي لَمْ أَطَّلِعْ عَلَى كِتَابِهِ وَقْتَ الْخُطْبَةِ , وَاَللَّهُ أَعْلَمُ , وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ.

وفي التاج والإكليل:

الاجتهاد والتقليد وتقليد غير الأئمة الأربعة · الصفحة ٣٠٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الاجتهاد والتقليد وتقليد غير الأئمة الأربعةص ٣٠٨