الْحُكْمُ. قَالَ سَحْنُونٌ فِي كِتَابِ ابْنِهِ: وَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ فَقِيرًا وَهُوَ أَعْلَمُ مَنْ فِي الْبِلَادِ وَأَرْضَاهُمْ اسْتَحَقَّ الْقَضَاءَ. وَلَكِنْ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَجْلِسَ حَتَّى يَغْنَى وَيَقْضِيَ دَيْنَهُ. وَقَالَ الْمَازِرِيُّ. وَهَذَا مِنْ الْمُصَالَحَةِ ; لِأَنَّهُ رُبَّمَا دَعَاهُ فَقْرُهُ إلَى اسْتِمَالَةِ الْأَغْنِيَاءِ وَالضَّرَاعَةِ لَهُمْ وَتَمْيِيزِهِمْ عَلَى الْفُقَرَاءِ بِالْإِكْبَارِ إذَا تَخَاصَمُوا مَعَ الْفُقَرَاءِ , فَإِذًا كَانَ غَنِيًّا بَعْدَ ذَلِكَ. وَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ رضي الله تعالى عنه مَنْ رَاقَبَ اللَّهَ تَعَالَى وَكَانَتْ عُقُوبَتُهُ أَخْوَفَ فِي نَفْسِهِ مِنْ النَّاسِ وَهَبَهُ اللَّهُ السَّلَامَةَ , قَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ وَيَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَكُونَ مُتَيَقِّظًا كَثِيرَ التَّحَرُّزِ مِنْ الْحِيَلِ وَمَا يَتِمُّ مِثْلُهُ عَلَى الْمُغَفَّلِ وَالنَّاقِصِ وَالْمُتَهَاوِنِ , وَأَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِالشُّرُوطِ عَارِفًا بِمَا لَا بُدَّ مِنْهُ مِنْ الْعَرَبِيَّةِ وَاخْتِلَافِ مَعَانِي الْعِبَارَاتِ , فَإِنَّ الْأَحْكَامَ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْعِبَارَاتِ فِي الدَّعَاوَى وَالْإِقْرَارِ وَالشَّهَادَاتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ ; وَلِأَنَّ كِتَابَ الشُّرُوطِ هُوَ الَّذِي يَتَضَمَّنُ حُقُوقَ الْمَحْكُومِ لَهُ وَعَلَيْهِ وَالشَّهَادَةُ تُسْمَعُ بِمَا فِيهِ , فَقَدْ يَكُونُ الْعَقْدُ وَاقِعًا عَلَى وَجْهٍ يَصِحُّ أَوْ لَا يَصِحُّ , فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ عِلْمٌ بِتَفْصِيلِ ذَلِكَ وَبِمُجْمَلِهِ , وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ غَيْرَ زَائِدٍ فِي الدَّهَاءِ وَذَلِكَ أَمْرٌ زَائِدٌ عَلَى الْفِطْنَةِ , وَإِنَّمَا نُهِيَ عَنْ ذَلِكَ ; لِأَنَّ ذَلِكَ يَحْمِلُهُ عَلَى الْحُكْمِ بِالْفِرَاسَةِ وَتَعْطِيلِ الطُّرُقِ الشَّرْعِيَّةِ مِنْ الْبَيِّنَةِ وَالْأَيْمَانِ , وَقَدْ فَسَدَ الزَّمَانُ وَأَهْلُهُ وَاسْتَحَالَ الْحَالُ , وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ رضي الله تعالى عنه لَا أَرَى خِصَالَ الْقَضَاءِ الْيَوْمَ تَجْتَمِعُ فِي وَاحِدٍ فَإِنْ اجْتَمَعَ مِنْهَا خَصْلَتَانِ وَلِيَ الْقَضَاءَ وَهُمَا الْعِلْمُ وَالْوَرَعُ. قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ , فَالْعَمَلُ وَالْوَرَعُ , فَإِنَّهُ بِالْعَقْلِ يُسْأَلُ وَبِالْوَرَعِ يَعِفُّ , وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ فِي أَهْلِ زَمَانِهِ , فَمَا ظَنُّك بِزَمَانِنَا , قَالَ الْمَازِرِيُّ: هَذَا تَسْهِيلٌ مِنْ ابْنِ حَبِيبٍ فِي وِلَايَةِ الْقَاضِي الْمُقَلِّدِ , وَلَكِنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ بِجَوَازِ هَذَا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى قَاضٍ نَظَّارٍ , بَلْ أَشَارَ إلَى كَوْنِ الضَّرُورَةِ تَدْعُو إلَى وِلَايَةِ الْمُقَلِّدِ , وَهَكَذَا قَالَ أَصْبَغُ إذَا لَمْ يُوجَدْ إلَّا عَدْلٌ لَا عِلْمَ عِنْدَهُ وَعَالِمٌ لَا بَاسَ بِحَالِهِ وَلَكِنَّ الَّذِي لَا عِلْمَ عِنْدَهُ أَعْدَلُ مِنْهُ , فَإِنَّ الْعَالِمَ هُوَ الَّذِي يُوَلَّى , فَإِنْ كَانَ لَيْسَ بَعْدَ فَيُوَلَّى الْعَدْلُ الَّذِي لَيْسَ بِعَالِمٍ وَيُؤْمَرُ أَنْ يَسْأَلَ وَيَسْتَشِيرَ , وَهَذَا الَّذِي وَقَعَ فِي الْمَذْهَبِ يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ عَلَى مَوَاقِعِ الضَّرُورَةِ وَمَسِيسِ الْحَاجَةِ.
فَصْلٌ: وَأَمَّا إنْ لَمْ يَكُنْ الْقَاضِي مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ فَفَرْضُهُ الْمَشُورَةُ وَالتَّقْلِيدُ , فَإِنْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ قَضَى بِقَوْلِ أَعْلَمَهُمْ , وَقِيلَ بِقَوْلِ أَكْثَرِهِمْ عَلَى مَا وَقَعَ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي الْحِكَايَةِ عَنْ الْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ , وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ , وَقِيلَ إنَّ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ بِقَوْلِ مَنْ شَاءَ مِنْهُمْ إذَا تَحَرَّى الصَّوَابَ بِذَلِكَ , وَلَمْ يَقْصِدْ الْهَوَى , وَلَهُ أَنْ يَكْتَفِيَ بِمَشُورَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ , فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَالِاخْتِيَارُ أَنْ يُشَاوِرَ أَعْلَمَهُمْ , فَإِنْ شَاوَرَ مَنْ دُونَهُ فِي الْعِلْمِ , وَأَخَذَ بِقَوْلِهِ فَذَلِكَ جَائِزٌ إذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّظَرِ وَالِاجْتِهَادِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ كَلَامِ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ أَنَّ الْمُقَلِّدَ يَقْضِي بِفَتْوَى مُقَلَّدِهِ فِي عَيْنِ النَّازِلَةِ , فَإِنْ قَاسَ عَلَى قَوْلِهِ فَهُوَ مُتَعَدٍّ. وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ الطُّرْطُوشِيُّ: أَخْبَرَنِي الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ الْبَاجِيُّ أَنَّ الْوُلَاةَ كَانُوا بِقُرْطُبَةَ إذَا , وَلَّوْا رَجُلًا الْقَضَاءَ شَرَطُوا عَلَيْهِ فِي سِجِلِّهِ أَنْ لَا يَخْرُجَ عَنْ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ مَا وَجَدَهُ , قَالَ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ: وَهَذَا جَهْلٌ عَظِيمٌ مِنْهُمْ , يُرِيدُ ; لِأَنَّ الْحَقَّ لَيْسَ فِي شَيْءٍ مُعَيَّنٍ , وَإِنَّمَا قَالَ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ هَذَا ; لِوُجُودِ الْمُجْتَهِدِينَ وَأَهْلِ النَّظَرِ فِي قُضَاةِ ذَلِكَ الزَّمَانِ فَتَكَلَّمَ عَلَى أَهْلِ زَمَانِهِ , وَكَانَ مُعَاصِرًا لِلْإِمَامِ أَبِي عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْبَرِّ وَالْقَاضِي أَبِي الْوَلِيدِ الْبَاجِيِّ وَالْقَاضِي أَبِي الْوَلِيدِ بْنِ رُشْدٍ وَالْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ بْنِ الْعَرَبِيِّ وَالْقَاضِي أَبِي مُحَمَّدٍ بْنِ عَطِيَّةَ صَاحِبِ التَّفْسِيرِ وَغَيْرِ هَؤُلَاءِ مِنْ نُظَرَائِهِمْ وَقَدْ عُدِمَ هَذَا النَّمَطُ فِي زَمَانِنَا مِنْ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ , وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْبَاجِيُّ عَنْ وُلَاةِ قُرْطُبَةَ وَرَدَ نَحْوَهُ عَنْ سَحْنُونٍ , وَذَلِكَ أَنَّهُ وَلَّى رَجُلًا الْقَضَاءَ , وَكَانَ الرَّجُلُ مِمَّنْ سَمِعَ بَعْضَ كَلَامِ أَهْلِ الْعِرَاقِ , فَشَرَطَ عَلَيْهِ سَحْنُونٌ أَنْ لَا يَقْضِيَ إلَّا بِقَوْلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ , وَلَا يَتَعَدَّى ذَلِكَ , قَالَ ابْنُ رَاشِدٍ: وَهَذَا يُؤَيِّدُ مَا ذَكَرَهُ الْبَاجِيُّ ,