تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وَلِهَذَا جَاءَتْ الْأَوْقَاتُ فِي كِتَابِ اللَّهِ نَوْعَيْنِ خَمْسَةٍ وَثَلَاثَةٍ فِي نَحْوِ عَشْرِ آيَاتٍ مِنْ الْقُرْآنِ , فَالْخَمْسَةُ لِأَهْلِ الرَّفَاهِيَةِ وَالسَّعَةِ , وَالثَّلَاثَةُ لِأَرْبَابِ الْأَعْذَارِ , وَجَاءَتْ السُّنَّةُ بِتَفْصِيلِ ذَلِكَ وَبَيَانِهِ وَبَيَانِ أَسْبَابِهِ , فَتَوَافَقَتْ دَلَالَةُ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ وَالِاعْتِبَارُ الصَّحِيحِ الَّذِي هُوَ مُقْتَضَى حِكْمَةِ الشَّرِيعَةِ وَمَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنْ الْمَصَالِحِ. فَأَحَادِيثُ الْجَمْعِ مَعَ أَحَادِيثِ الْإِفْرَادِ بِمَنْزِلَةِ أَحَادِيثِ الْأَعْذَارِ وَالضَّرُورَاتِ مَعَ أَحَادِيثِ الشُّرُوطِ وَالْوَاجِبَاتِ ; فَالسُّنَّةُ يُبَيِّنُ بَعْضُهَا بَعْضًا , لَا يُرَدُّ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ وَمَنْ تَأَمَّلَ أَحَادِيثَ الْجَمْعِ وَجَدَهَا كُلَّهَا صَرِيحَةً فِي جَمْعِ الْوَقْتِ لَا فِي جَمْعِ الْفِعْلِ , وَعَلِمَ أَنَّ جَمْعَ الْفِعْلِ أَشَقُّ وَأَصْعَبُ مِنْ الْإِفْرَادِ بِكَثِيرٍ ; فَإِنَّهُ يُنْتَظَرُ بِالرُّخْصَةِ أَنْ يَبْقَى مِنْ وَقْتِ الْأُولَى قَدْرَ فِعْلِهَا فَقَطْ , بِحَيْثُ إذَا سَلَّمَ مِنْهَا دَخَلَ وَقْتُ الثَّانِيَةِ فَأَوْقَعَ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا فِي وَقْتِهَا , وَهَذَا أَمْرٌ فِي غَايَةِ الْعُسْرِ وَالْحَرَجِ وَالْمَشَقَّةِ , وَهُوَ مُنَافٍ لِمَقْصُودِ الْجَمْعِ , وَأَلْفَاظُ السُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ الصَّرِيحَةِ تَرُدُّهُ كَمَا تَقَدَّمَ , وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ.

[الْوِتْرُ مَعَ الِاتِّصَالِ] الْمِثَالُ الثَّالِثُ وَالسَّبْعُونَ: رَدُّ السُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ الصَّرِيحَةِ الْمُحْكَمَةِ فِي الْوِتْرِ بِخَمْسٍ مُتَّصِلَةٍ وَسَبْعٍ مُتَّصِلَةٍ كَحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ: ﴿كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُوتِرُ بِسَبْعٍ وَبِخَمْسٍ لَا يَفْصِلُ بَيْنَهُنَّ بِسَلَامٍ وَلَا كَلَامٍ﴾ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ , وَكَقَوْلِ عَائِشَةَ رضي الله عنها: ﴿كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي مِنْ اللَّيْلِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً , يُوتِرُ مِنْ ذَلِكَ بِخَمْسٍ , لَا يَجْلِسُ إلَّا فِي آخِرِهِنَّ﴾ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ , وَكَحَدِيثِ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم: ﴿كَانَ يُصَلِّي مِنْ اللَّيْلِ تِسْعَ رَكَعَاتٍ , لَا يَجْلِسُ فِيهَا إلَّا فِي الثَّامِنَةِ فَيَذْكُرُ اللَّهَ وَيَحْمَدُهُ وَيَدْعُوهُ ثُمَّ يَنْهَضُ , وَلَا يُسَلِّمُ , ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي التَّاسِعَةَ , ثُمَّ يَقْعُدُ فَيَذْكُرُ اللَّهَ وَيَحْمَدُهُ وَيَدْعُوهُ , ثُمَّ يُسَلِّمُ تَسْلِيمًا يُسْمِعنَاهُ , ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ بَعْدَمَا يُسَلِّمُ وَهُوَ قَاعِدٌ , فَتِلْكَ إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً , فَلَمَّا أَسَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَأَخَذَهُ اللَّحْمُ أَوْتَرَ بِسَبْعٍ , وَصَنَعَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ مِثْلَ صُنْعِهِ فِي الْأُولَى﴾ وَفِي لَفْظٍ عَنْهَا: ﴿فَلَمَّا أَسَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَأَخَذَهُ اللَّحْمُ أَوْتَرَ بِسَبْعِ رَكَعَاتٍ لَمْ يَجْلِسْ إلَّا فِي السَّادِسَةِ وَالسَّابِعَةِ , لَمْ يُسَلِّمْ إلَّا فِي السَّابِعَةِ﴾ وَفِي لَفْظٍ: ﴿صَلَّى سَبْعَ رَكَعَاتٍ لَا يَقْعُدُ إلَّا فِي آخِرِهِنَّ﴾ وَكُلُّهَا أَحَادِيثُ صِحَاحٌ صَرِيحَةٌ لَا مُعَارِضَ لَهَا ; فَرُدَّتْ هَذِهِ بِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: ﴿صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى﴾ وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ , وَلَكِنَّ الَّذِي قَالَهُ هُوَ الَّذِي أَوْتَرَ بِالتِّسْعِ وَالسَّبْعِ وَالْخَمْسِ , وَسُنَنُهُ كُلُّهَا حَقٌّ يُصَدِّقُ بَعْضُهَا بَعْضًا ; فَالنَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَجَابَ السَّائِلَ لَهُ عَنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ بِأَنَّهَا مَثْنَى مَثْنَى , وَلَمْ يَسْأَلْهُ عَنْ الْوِتْرِ , وَأَمَّا السَّبْعُ وَالْخَمْسُ وَالتِّسْعُ وَالْوَاحِدَةُ فَهِيَ صَلَاةُ الْوِتْرِ , وَالْوِتْرُ اسْمٌ لِلْوَاحِدَةِ الْمُنْفَصِلَةِ مِمَّا قَبْلَهَا , وَلِلْخَمْسِ وَالسَّبْعِ وَالتِّسْعِ الْمُتَّصِلَةِ , كَالْمَغْرِبِ اسْمٌ لِلثَّلَاثِ الْمُتَّصِلَةِ , فَإِنْ انْفَصَلَتْ الْخَمْسُ وَالسَّبْعُ وَالتِّسْعُ بِسَلَامَيْنِ كَالْإِحْدَى عَشْرَةَ كَانَ الْوِتْرُ اسْمًا لِلرَّكْعَةِ الْمَفْصُولَةِ وَحْدَهَا , كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: ﴿صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى , فَإِذَا خَشِيَ الصُّبْحَ أَوْتَرَ بِوَاحِدَةٍ تُوتِرُ لَهُ مَا صَلَّى.﴾ فَاتَّفَقَ فِعْلُهُ صلى الله عليه وسلم وَقَوْلُهُ , وَصَدَّقَ بَعْضُهُ بَعْضًا , وَكَذَلِكَ يَكُونُ لَيْسَ إلَّا , وَإِنْ حَصَلَ تَنَاقُضٌ فَلَا بُدَّ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ ; إمَّا أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الْحَدِيثَيْنِ نَاسِخًا لِلْآخَرِ , أَوْ لَيْسَ مِنْ كَلَامِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم , فَإِنْ كَانَ الْحَدِيثَانِ مِنْ كَلَامِهِ وَلَيْسَ أَحَدُهُمَا مَنْسُوخًا فَلَا تَنَاقُضَ وَلَا تَضَادَّ هُنَاكَ أَلْبَتَّةَ , وَإِنَّمَا يُؤْتِي مَنْ يُؤْتِي هُنَاكَ مِنْ قَبْلِ فَهْمِهِ وَتَحْكِيمِهِ آرَاءَ الرِّجَالِ وَقَوَاعِدَ الْمَذْهَبِ عَلَى السُّنَّةِ ; فَيَقَعُ الِاضْطِرَابُ وَالتَّنَاقُضُ وَالِاخْتِلَافُ , وَاَللَّهُ الْمُسْتَعَانُ

وفي البحر المحيط:

الثَّالِثُ: وَلَا يُنْقَضُ الِاجْتِهَادُ بِالِاجْتِهَادِ

وَإِلَّا يُؤَدِّي إلَى نَقْضِ النَّقْضِ وَيَتَسَلْسَلُ فَتَضْطَرِبُ الْأَحْكَامُ وَلَا يُوثَقُ فِيهَا. فَلَوْ فَرَضْنَا أَنَّ الْمُجْتَهِدَ خَالَعَ امْرَأَتَهُ وَأَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إلَى أَنَّ الْخُلْعَ فَسْخٌ وَلَيْسَ بِطَلَاقٍ فَتَزَوَّجَهَا الرَّابِعَةَ بَعْدَ ذَلِكَ بِمُقْتَضَى هَذَا

الاجتهاد والتقليد وتقليد غير الأئمة الأربعة · الصفحة ٢٧٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الاجتهاد والتقليد وتقليد غير الأئمة الأربعةص ٢٧٨