عَلَيْهِ بِالْأُجْرَةِ , وَهَذَا مِنْ أَحْسَنِ الْفِقْهِ , فَإِنَّهُ إذَا مَرِضَ أَوْ حُبِسَ أَوْ غَابَ فَلَوْ تَرَكَ زَرْعَهُ بِلَا حَصَادٍ لَهَلَكَ وَضَاعَ , فَإِذَا عَلِمَ مَنْ يَحْصُدُهُ لَهُ أَنَّهُ يُذْهِبُ عَلَيْهِ عَمَلُهُ نَفَقَتَهُ ضَيَاعًا لَمْ يُقْدِمْ عَلَى ذَلِكَ , وَفِي ذَلِكَ مِنْ إضَاعَةِ الْمَالِ وَإِلْحَاقِ الضَّرَرِ بِالْمَالِكِ مَا تَابَاهُ الشَّرِيعَةُ الْكَامِلَةُ ; فَكَانَ مِنْ أَعْظَمِ مَحَاسِنِهَا أَنْ أَذِنَتْ لِلْأَجْنَبِيِّ فِي حَصَادِهِ وَالرُّجُوعِ عَلَى مَالِكِهِ بِمَا أَنْفَقَ عَلَيْهِ حِفْظًا لِمَالِهِ وَمَالِ الْمُحْسِنِ إلَيْهِ , وَفِي خِلَافِ ذَلِكَ إضَاعَةٌ لِمَالَيْهِمَا أَوْ مَالِ أَحَدِهِمَا , وَمِنْهَا مَا نَصَّ عَلَيْهِ فِيمَنْ عَمِلَ فِي قَنَاةِ رَجُلٍ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَاسْتَخْرَجَ الْمَاءَ , قَالَ: لِهَذَا الَّذِي عَمِلَ نَفَقَتُهُ , وَمِنْهَا لَوْ انْكَسَرَتْ سَفِينَتُهُ فَوَقَعَ مَتَاعُهُ فِي الْبَحْرِ فَخَلَّصَهُ رَجُلٌ فَإِنَّهُ لِصَاحِبِهِ , وَلَهُ عَلَيْهِ أُجْرَةُ مِثْلِهِ , وَهَذَا أَحْسَنُ مِنْ أَنْ يُقَالَ: لَا أُجْرَةَ لَهُ ; فَلَا تَطِيبُ نَفْسُهُ بِالتَّعَرُّضِ لِلتَّلَفِ وَالْمَشَقَّةِ الشَّدِيدَةِ وَيَذْهَبُ عَمَلُهُ بَاطِلًا أَوْ يَذْهَبُ مَالُ الْآخَرِ ضَائِعًا , وَكُلٌّ مِنْهُمَا فَسَادٌ مَحْضٌ , وَالْمَصْلَحَةُ فِي خِلَافِهِ ظَاهِرَةٌ. وَالْمُؤْمِنُونَ يَرَوْنَ قَبِيحًا أَنْ يَذْهَبَ عَمَلُ مِثْلِ هَذَا ضَائِعًا وَمَالُ هَذَا ضَائِعًا , وَيَرَوْنَ مِنْ أَحْسَنِ الْحُسْنِ أَنْ يُسَلَّمَ مَالُ هَذَا وَيَنْجَحَ سَعْيُ هَذَا , وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
[ضَمَانُ دَيْنِ الْمَيِّتِ الَّذِي لَمْ يَتْرُكْ وَفَاءً] الْمِثَالُ الْحَادِي وَالسَّبْعُونَ: رَدُّ السُّنَّةِ الثَّابِتَةِ الصَّرِيحَةِ الْمُحْكَمَةِ فِي صِحَّةِ ضَمَانِ دَيْنِ الْمَيِّتِ الَّذِي لَمْ يُخَلِّفْ وَفَاءً , كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ: ﴿أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِجِنَازَةٍ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهَا , فَقَالَ: أَعَلَيْهِ دَيْنٌ؟ فَقَالُوا: نَعَمْ. دِينَارَانِ , فَقَالَ: أَتَرَكَ لَهُمَا وَفَاءً؟ قَالُوا: لَا , قَالَ: صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ , فَقَالَ أَبُو قَتَادَةَ: هُمَا عَلَيَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ , فَصَلَّى عَلَيْهِ﴾ فَرُدَّتْ هَذِهِ السُّنَّةُ بِرَايٍ لَا يُقَاوِمُهَا , وَهُوَ أَنَّ الْمَيِّتَ قَدْ خَرِبَتْ ذِمَّتُهُ ; فَلَا يَصِحُّ ضَمَانُ شَيْءٍ خَرَابٍ فِي مَحَلِّ خَرَابٍ , بِخِلَافِ الْحَيِّ الْقَادِرِ فَإِنَّ ذِمَّتَهُ بِصَدَدِ الْعِمَارَةِ فِي ضَمَانِ دَيْنِهِ , وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَفَاءٌ فِي الْحَالِ , وَأَمَّا إذَا خَلَّفَ وَفَاءً فَإِنَّهُ يَصِحُّ الضَّمَانُ فِي الْحَالِ تَنْزِيلًا لِذِمَّتِهِ بِمَا خَلَّفَهُ مِنْ الْوَفَاءِ مَنْزِلَةَ الْحَيِّ الْقَادِرِ. قَالُوا: وَأَمَّا الْحَدِيثُ فَإِنَّمَا هُوَ إخْبَارٌ عَنْ ضَمَانٍ مُتَقَدِّمٍ عَلَى الْمَوْتِ ; فَهُوَ إخْبَارٌ مِنْهُ بِالْتِزَامٍ سَابِقٍ , لَا إنْشَاءٌ لِلِالْتِزَامِ حِينَئِذٍ , وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ مَا تُرَدُّ بِهِ السُّنَّةُ الصَّرِيحَةُ , وَلَا يَصِحُّ حَمْلُهَا عَلَى الْأَخْبَارِ لِوُجُوهٍ ; أَحَدُهَا: أَنَّ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِ الْحَدِيثِ: ﴿فَقَالَ أَبُو قَتَادَةَ: أَنَا الْكَفِيلُ بِهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ , فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم﴾ رَوَاهُ النَّسَائِيّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ. الثَّانِي: أَنَّ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْبُخَارِيِّ ﴿فَقَالَ أَبُو قَتَادَةَ: صَلِّ عَلَيْهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَعَلَيَّ دَيْنُهُ﴾ فَقَوْلُهُ: ﴿وَعَلَيَّ دَيْنُهُ﴾ كَالصَّرِيحِ فِي الِالْتِزَامِ أَوْ صَرِيحٌ فِيهِ ; فَإِنَّ هَذِهِ الْوَاوَ لِلِاسْتِئْنَافِ , وَلَيْسَ قَبْلَهَا مَا يَصِحُّ أَنْ يُعْطَفَ مَا بَعْدَهَا عَلَيْهِ , كَمَا لَوْ قَالَ: صَلِّ عَلَيْهِ وَأَنَا أَلْتَزِمُ مَا عَلَيْهِ أَوْ وَأَنَا مُلْتَزِمٌ مَا عَلَيْهِ , الثَّالِثُ: أَنَّ الْحُكْمَ لَوْ اخْتَلَفَ لَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: هَلْ ضَمِنْت ذَلِكَ فِي حَيَاتِهِ أَوْ بَعْدَ مَوْتِهِ؟ وَلَا سِيَّمَا فَإِنَّ الظَّاهِرَ مِنْهُ الْإِنْشَاءُ , وَأَدْنَى الْأَحْوَالِ أَنْ يَحْتَمِلَهُمَا عَلَى السَّوَاءِ , فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا بَاطِلًا فِي الشَّرْعِ وَالْآخَرُ صَحِيحًا فَكَيْفَ يُقِرُّهُ عَلَى قَوْلٍ مُحْتَمِلٍ لِحَقٍّ وَبَاطِل وَلَمْ يَسْتَفْصِلْهُ عَنْ مُرَادِهِ بِهِ؟ الرَّابِعُ: أَنَّ الْقِيَاسَ يَقْتَضِي صِحَّةَ الضَّمَانِ وَإِنْ لَمْ يُخَلِّفْ وَفَاءً , فَإِنَّ مَنْ صَحَّ ضَمَانُ دَيْنِهِ إذَا خَلَّفَ وَفَاءً صَحَّ ضَمَانُهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ كَالْحَيِّ , وَأَيْضًا فَمَنْ صَحَّ ضَمَانُ دَيْنِهِ حَيًّا صَحَّ ضَمَانُ دَيْنِهِ مَيِّتًا , وَأَيْضًا فَإِنَّ الضَّمَانَ لَا يُوجِبُ الرُّجُوعَ , وَإِنَّمَا يُوجِبُ مُطَالَبَةَ رَبِّ الدَّيْنِ لِلضَّامِنِ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يُخَلِّفَ الْمَيِّتُ وَفَاءً أَوْ لَمْ يَخْلُفْهُ , وَأَيْضًا فَالْمَيِّتُ أَحْوَجُ إلَى ضَمَانِ دَيْنِهِ الْحَيُّ لِحَاجَتِهِ إلَى تَبْرِيدِ جِلْدِهِ بِبَرَاءَةِ ذِمَّتِهِ وَتَخْلِيصِهِ مِنْ ارْتِهَانِهِ بِالدَّيْنِ , وَأَيْضًا فَإِنَّ ذِمَّةَ الْمَيِّتِ وَإِنْ خَرِبَتْ مِنْ وَجْهٍ - وَهُوَ تَعَذُّرُ مُطَالَبَتِهِ - لَمْ تَخْرَبْ مِنْ جِهَةِ بَقَاءِ الْحَقِّ فِيهَا , وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: ﴿لَيْسَ مِنْ مَيِّتٍ يَمُوتُ إلَّا وَهُوَ مُرْتَهَنٌ بِدَيْنِهِ﴾ وَلَا يَكُونُ مُرْتَهَنًا وَقَدْ خَرِبَتْ ذِمَّتُهُ , وَأَيْضًا فَإِنَّهُ لَوْ خَرِبَتْ ذِمَّتُهُ لَبَطَلَ الضَّمَانُ بِمَوْتِهِ ; فَإِنَّ الضَّامِنَ فَرْعُهُ , وَقَدْ خَرِبَتْ ذِمَّةُ الْأَصْلِ , فَلَمَّا اُسْتُدِيمَ الضَّمَانُ وَلَمْ يَبْطُلْ بِالْمَوْتِ عَلِمَ أَنَّ الضَّمَانَ لَا يُنَافِي الْمَوْتَ ; فَإِنَّهُ لَوْ