تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فَبَاعَ إحْدَاهُمَا بِدِينَارٍ , وَجَاءَهُ بِالدِّينَارِ وَالشَّاةِ الْأُخْرَى ,} فَبَاعَ وَأَقْبَضَ وَقَبَضَ بِغَيْرِ إذْنٍ لَفْظِيٍّ اعْتِمَادًا مِنْهُ عَلَى الْإِذْنِ الْعُرْفِيِّ الَّذِي هُوَ أَقْوَى مِنْ اللَّفْظِيِّ فِي أَكْثَرِ الْمَوَاضِعِ , وَلَا إشْكَالَ بِحَمْدِ اللَّهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِوَجْهٍ مَا , وَإِنَّمَا الْإِشْكَالُ فِي اسْتِشْكَالِهِ ; فَإِنَّهُ جَارٍ عَلَى مَحْضِ الْقَوَاعِدِ كَمَا عَرَفْته.

فَصْلٌ [الشَّرْطُ الْعُرْفِيُّ كَالشَّرْطِ اللَّفْظِيِّ] وَمِنْ هَذَا الشَّرْطُ الْعُرْفِيُّ كَاللَّفْظِيِّ , وَذَلِكَ كَوُجُوبِ نَقْدِ الْبَلَدِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ , وَوُجُوبِ الْحُلُولِ حَتَّى كَأَنَّهُ مُشْتَرَطٌ لَفْظًا فَانْصَرَفَ الْعَقْدُ بِإِطْلَاقِهِ إلَيْهِ , وَإِنْ لَمْ يَقْتَضِهِ لَفْظُهُ , وَمِنْهَا السَّلَامَةُ مِنْ الْعُيُوبِ حَتَّى يَسُوغَ لَهُ الرَّدُّ بِوُجُودِ الْعَيْبِ تَنْزِيلًا لِاشْتِرَاطِ سَلَامَةِ الْمَبِيعِ عُرْفًا مَنْزِلَةَ اشْتِرَاطِهَا لَفْظًا. وَمِنْهَا وُجُوبُ وَفَاءِ الْمُسْلَمِ فِيهِ فِي مَكَانِ الْعَقْدِ وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْهُ لَفْظًا بِنَاءً عَلَى الشَّرْطِ الْعُرْفِيِّ. وَمِنْهَا لَوْ دَفَعَ ثَوْبَهُ إلَى مَنْ يَعْرِفُ أَنَّهُ يَغْسِلُ أَوْ يَخِيطُ بِالْأُجْرَةِ أَوْ عَجِينَهُ لِمَنْ يَخْبِزُهُ أَوْ لَحْمًا لِمَنْ يَطْبُخُهُ أَوْ حَبًّا لِمَنْ يَطْحَنُهُ أَوْ مَتَاعًا لِمَنْ يَحْمِلُهُ وَنَحْوَ ذَلِكَ مِمَّنْ نَصَّبَ نَفْسَهُ لِلْأُجْرَةِ عَلَى ذَلِكَ وَجَبَ لَهُ أُجْرَةُ مِثْلِهِ , وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ مَعَهُ ذَلِكَ لَفْظًا عِنْدَ جُمْهُورِ أَهْلِ الْعِلْمِ. حَتَّى عِنْدَ الْمُنْكِرِينَ لِذَلِكَ ; فَإِنَّهُمْ يُنْكِرُونَهُ بِأَلْسِنَتِهِمْ وَلَا يُمْكِنُهُمْ الْعَمَلُ إلَّا بِهِ , بَلْ لَيْسَ يَقِفُ الْإِذْنُ فِيمَا يَفْعَلُهُ الْوَاحِدُ مِنْ هَؤُلَاءِ وَغَيْرِهِمْ عَلَى صَاحِبِ الْمَالِ خَاصَّةً ; لِأَنَّ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ فِي الشَّفَقَةِ وَالنَّصِيحَةِ وَالْحِفْظِ وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ ; وَلِهَذَا جَازَ لِأَحَدِهِمْ ضَمُّ اللُّقَطَةِ وَرَدُّ الْآبِقِ وَحِفْظُ الضَّالَّةِ , حَتَّى إنَّهُ يَحْسِبُ مَا يُنْفِقُهُ عَلَى الضَّالَّةِ وَالْآبِقِ وَاللُّقَطَةِ وَيُنَزِّلُ إنْفَاقَهُ عَلَيْهَا مَنْزِلَةَ إنْفَاقِهِ لِحَاجَةِ نَفْسِهِ لِمَا كَانَ حِفْظًا لِمَالِ أَخِيهِ وَإِحْسَانًا إلَيْهِ ; فَلَوْ عَلِمَ الْمُتَصَرِّفُ لِحِفْظِ مَالِ أَخِيهِ أَنَّ نَفَقَتَهُ تَضِيعُ وَأَنَّ إحْسَانَهُ يَذْهَبُ بَاطِلًا فِي حُكْمِ الشَّرْعِ لَمَا أَقْدَمَ عَلَى ذَلِكَ , وَلَضَاعَتْ مَصَالِحُ النَّاسِ , وَرَغِبُوا عَنْ حِفْظِ أَمْوَالِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا , وَتَعَطَّلَتْ حُقُوقٌ كَثِيرَةٌ , وَفَسَدَتْ أَمْوَالٌ عَظِيمَةٌ , وَمَعْلُومٌ أَنَّ شَرِيعَةَ مَنْ بَهَرَتْ شَرِيعَتُهُ الْعُقُولَ وَفَاقَتْ كُلَّ شَرِيعَةٍ وَاشْتَمَلَتْ عَلَى كُلِّ مَصْلَحَةٍ وَعَطَّلَتْ كُلَّ مَفْسَدَةٍ تَابَى ذَلِكَ كُلَّ الْإِبَاءِ , وَأَيْنَ هَذَا مِنْ إجَازَةِ أَبِي حَنِيفَةَ تَصَرُّفَ الْفُضُولِيِّ وَوَقْفَ الْعُقُودِ تَحْصِيلًا لِمَصْلَحَةِ الْمَالِكِ وَمَنْعِ الْمُرْتَهِنِ مِنْ الرُّكُوبِ وَالْحَلْبِ بِنَفَقَتِهِ؟ فَيَا لِلَّهِ الْعَجَبُ , يَكُونُ هَذَا الْإِحْسَانُ لِلرَّاهِنِ وَلِلْحَيَوَانِ وَلِنَفْسِهِ بِحِفْظِ الرَّهْنِ حَرَامًا لَا اعْتِبَارًا بِهِ شَرْعًا مَعَ إذْنِ الشَّارِعِ فِيهِ لَفْظًا وَإِذْنِ الْمَالِكِ عُرْفًا وَتَصَرُّفُ الْفُضُولِيِّ مُعْتَبَرًا , مُرَتَّبًا عَلَيْهِ حُكْمُهُ؟ هَذَا وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّا فِي إبْرَاءِ الذِّمَمِ أَحْوَجُ مِنَّا إلَى الْعُقُودِ عَلَى أَوْلَادِ النَّاسِ وَبَنَاتِهِمْ وَإِمَائِهِمْ وَعَبِيدِهِمْ وَدُورِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ ; فَالْمُرْتَهِنُ مُحْسِنٌ بِإِبْرَاءِ ذِمَّةِ الْمَالِكِ مِنْ الْإِنْفَاقِ عَلَى الْحَيَوَانِ مُؤَدٍّ لِحَقِّ اللَّهِ فِيهِ وَلِحَقِّ مَالِكِهِ وَلِحَقِّ الْحَيَوَانِ وَلِحَقِّ نَفْسِهِ مُتَنَاوِلٌ مَا أَذِنَ لَهُ فِيهِ الشَّارِعُ مِنْ الْعِوَضِ بِالدَّرِّ وَالظَّهْرِ , وَقَدْ أَوْجَبَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَلَى الْآبَاءِ إيتَاءَ الْمَرَاضِعِ أَجْرَهُنَّ بِمُجَرَّدِ الْإِرْضَاعِ , وَإِنْ لَمْ يَعْقِدُوا مَعَهُنَّ عَقْدَ إجَارَةٍ ; فَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾. فَإِنْ قِيلَ: فَهَذَا يُنْتَقَضُ عَلَيْكُمْ بِمَا لَوْ كَانَ الرَّهْنُ دَارًا فَخَرِبَ بَعْضُهَا فَعَمَرَهَا لِيَحْفَظَ الرَّهْنَ ; فَإِنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ السُّكْنَى عِنْدَكُمْ بِهَذِهِ الْعِمَارَةِ , وَلَا يَرْجِعُ بِهَا. قِيلَ: لَيْسَ كَذَلِكَ , بَلْ يُحْتَسَبُ لَهُ بِمَا أَنْفَقَهُ ; لِأَنَّ فِيهِ إصْلَاحُ الرَّهْنِ , ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَابْنُهُ وَغَيْرُهُمَا. وَقَدْ نَصَّ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ أَبِي حَرْبٍ الْجُرْجَانِيِّ فِي رَجُلٍ عَمِلَ فِي قَنَاةِ رَجُلٍ بِغَيْرِ إذْنِهِ , فَاسْتَخْرَجَ الْمَاءَ , لِهَذَا الَّذِي عَمِلَ أَجْرٌ فِي نَفَقَتِهِ إذَا عَمِلَ مَا يَكُونُ مَنْفَعَةً لِصَاحِبِ الْقَنَاةِ , هَذَا مَعَ أَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ الْحَيَوَانِ وَالدَّارِ ظَاهِرٌ ; لِحَاجَةِ الْحَيَوَانِ إلَى الْإِنْفَاقِ وَوُجُوبِهِ عَلَى مَالِكِهِ , بِخِلَافِ عِمَارَةِ الدَّارِ , فَإِنْ صَحَّ الْفَرْقُ بَطَلَ السُّؤَالُ , وَإِنْ بَطَلَ الْفَرْقُ ثَبَتَ الِاسْتِوَاءُ فِي الْحُكْمِ. فَإِنْ قِيلَ: فِي هَذَا مُخَالَفَةٌ لِلْأُصُولِ مِنْ وَجْهَيْنِ ; أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ إذَا أَدَّى عَنْ غَيْرِهِ وَاجِبًا بِغَيْرِ إذْنِهِ كَانَ مُتَبَرِّعًا , وَلَمْ يَلْزَمْهُ الْقِيَامُ لَهُ بِمَا أَدَّاهُ عَنْهُ. الثَّانِي: أَنَّهُ لَوْ لَزِمَهُ عِوَضُهُ فَإِنَّمَا يَلْزَمُهُ نَظِيرُ مَا أَدَّاهُ , فَأَمَّا أَنْ

الاجتهاد والتقليد وتقليد غير الأئمة الأربعة · الصفحة ٢٧٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الاجتهاد والتقليد وتقليد غير الأئمة الأربعةص ٢٧٣