تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

خَالَفَ السُّنَّةَ الصَّحِيحَةَ لَمْ يَقَعْ مِنْ طَرِيقِ النَّقْلِ أَلْبَتَّةَ , وَإِنَّمَا يَقَعُ مِنْ طَرِيقِ الِاجْتِهَادِ , وَالِاجْتِهَادُ إذَا خَالَفَ السُّنَّةَ كَانَ مَرْدُودًا , وَكُلُّ عَمَلٍ طَرِيقُهُ النَّقْلُ فَإِنَّهُ لَا يُخَالِفُ سُنَّةً صَحِيحَةً أَلْبَتَّةَ.

فَلْنَرْجِعْ إلَى الْأَمْثِلَةِ الَّتِي تُرِكَ فِيهَا الْمُحْكَمُ لِلْمُتَشَابِهِ , فَنَقُولُ: [الْجَهْرُ بِآمِينَ] الْمِثَالُ السَّابِعُ وَالْخَمْسُونَ: تَرْكُ السُّنَّةِ الْمُحْكَمَةِ الصَّحِيحَةِ فِي الْجَهْرِ بِآمِينَ فِي الصَّلَاةِ كَقَوْلِهِ فِي الصَّحِيحَيْنِ: ﴿إذَا أَمَّنَ الْإِمَامُ فَأَمِّنُوا فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ تَامِينُهُ تَامِينَ الْمَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ﴾ وَلَوْلَا جَهْرُهُ بِالتَّامِينِ لَمَا أَمْكَنَ الْمَامُومُ أَنْ يُؤَمِّنَ مَعَهُ وَيُوَافِقَهُ فِي التَّامِينِ , وَأَصْرَحُ مِنْ هَذَا حَدِيثُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ عَنْ حُجْرٌ بْنِ عَنْبَسٍ عَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٌ قَالَ: ﴿كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إذَا قَالَ وَلَا الضَّالِّينَ قَالَ آمِينَ , وَرَفَعَ بِهَا صَوْتَهُ﴾. وَفِي لَفْظٍ: ﴿وَطَوَّلَ بِهَا﴾ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ , وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ. وَقَدْ خَالَفَ شُعْبَةُ سُفْيَانَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ: ﴿وَخَفَضَ بِهَا صَوْتَهُ﴾ وَحُكْمُ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ وَحُفَّاظِهِ فِي هَذَا لِسُفْيَانَ فَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: سَمِعْت مُحَمَّدَ بْنَ إسْمَاعِيلَ يَقُولُ: حَدِيثُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ فِي هَذَا الْبَابِ أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ , أَخْطَأَ شُعْبَةُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فِي مَوَاضِعَ , فَقَالَ: " عَنْ حُجْرٌ أَبِي الْعَنْبَسِ " وَإِنَّمَا كُنْيَتُهُ أَبُو السَّكَنِ , وَزَادَ فِيهِ عَلْقَمَةُ بْنُ وَائِلٍ , وَإِنَّمَا هُوَ حُجْرٌ بْنُ عَنْبَسٍ عَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٌ , لَيْسَ فِيهِ عَلْقَمَةُ , وَقَالَ: ﴿وَخَفَضَ بِهَا صَوْتَهُ﴾ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ جَهَرَ بِهَا. قَالَ التِّرْمِذِيُّ: وَسَأَلْت أَبَا زُرْعَةَ عَنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ وَشُعْبَةَ هَذَا , فَقَالَ: حَدِيثُ سُفْيَانَ أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ , وَقَدْ رَوَى الْعَلَاءُ بْنُ صَالِحٍ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ نَحْوَ رِوَايَةِ سُفْيَانَ , وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: كَذَا قَالَ شُعْبَةُ: ﴿وَأَخْفَى بِهَا صَوْتَهُ﴾ وَيُقَالُ: إنَّهُ وَهَمَ فِيهِ ; لِأَنَّ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ وَمُحَمَّدَ بْنَ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ وَغَيْرَهُمَا رَوَوْهُ عَنْ سَلَمَةَ فَقَالُوا: ﴿وَرَفَعَ صَوْتَهُ بِآمِينَ﴾ وَهُوَ الصَّوَابُ. وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: لَا أَعْلَمُ اخْتِلَافًا بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ أَنَّ سُفْيَانَ وَشُعْبَةَ إذَا اخْتَلَفَا فَالْقَوْلُ قَوْلُ سُفْيَانَ , وَقَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ: لَيْسَ أَحَدٌ أَحَبَّ إلَيَّ مِنْ شُعْبَةَ , وَلَا يَعْدِلُهُ عِنْدِي أَحَدٌ , وَإِذَا خَالَفَهُ سُفْيَانُ أَخَذْت بِقَوْلِ سُفْيَانَ , وَقَالَ شُعْبَةُ: سُفْيَانُ أَحْفَظُ مِنِّي ; فَهَذَا تَرْجِيحٌ لِرِوَايَةِ سُفْيَانَ , وَتَرْجِيحٌ ثَانٍ: وَهُوَ مُتَابَعَةُ الْعَلَاءِ بْنِ صَالِحٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ لَهُ , وَتَرْجِيحٌ ثَالِثٌ: وَهُوَ أَنَّ أَبَا الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيَّ - وَحَسْبُك بِهِ رَوَاهُ عَنْ شُعْبَةَ بِوِفَاقِ الثَّوْرِيِّ فِي مَتْنِهِ , فَقَدْ اُخْتُلِفَ عَلَى شُعْبَةَ كَمَا تَرَى. قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ تَنَبَّهَ لِذَلِكَ فَعَادَ إلَى الصَّوَابِ فِي مَتْنِهِ , وَتَرَكَ ذِكْرَ ذَلِكَ عَلْقَمَةُ فِي إسْنَادِهِ , وَتَرْجِيحٌ رَابِعٌ: وَهُوَ أَنَّ الرِّوَايَتَيْنِ لَوْ تَقَاوَمَتَا لَكَانَتْ رِوَايَةُ الرَّفْعِ مُتَضَمِّنَةً لِزِيَادَةٍ وَكَانَتْ أَوْلَى بِالْقَبُولِ , وَتَرْجِيحٌ خَامِسٌ: وَهُوَ مُوَافَقَتُهَا وَتَفْسِيرُهَا لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: ﴿وَإِذَا أَمَّنَ الْإِمَامُ فَأَمِّنُوا , فَإِنَّ الْإِمَامَ يَقُولُ آمِينَ وَالْمَلَائِكَةُ تَقُولُ: آمِينَ , فَمَنْ وَافَقَ تَامِينُهُ تَامِينَ الْمَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ﴾. وَتَرْجِيحٌ سَادِسٌ: وَهُوَ مَا رَوَاهُ الْحَاكِمُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: ﴿كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إذَا فَرَغَ مِنْ قِرَاءَةِ أُمِّ الْقُرْآنِ رَفَعَ صَوْتَهُ بِآمِينَ﴾ وَلِأَبِي دَاوُد بِمَعْنَاهُ , وَزَادَ بَيَانًا فَقَالَ: ﴿قَالَ آمِينَ حَتَّى يَسْمَعَ مَنْ يَلِيه مِنْ الصَّفِّ الْأَوَّلِ﴾ وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: {كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إذَا قَالَ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قَالَ: آمِينَ يَرْفَعُ بِهَا صَوْتَهُ , وَيَامُرُ بِذَلِكَ.} وَذَكَرَ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهِهِ قَالَ: {سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: آمِينَ إذَا قَرَأَ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾} وَعَنْهُ أَيْضًا رضي الله عنه ﴿أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم: كَانَ إذَا قَرَأَ وَلَا الضَّالِّينَ رَفَعَ صَوْتَهُ بِآمِينَ﴾ وَعِنْدَ أَبِي دَاوُد عَنْ ﴿بِلَالٍ أَنَّهُ قَالَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: لَا تَسْبِقْنِي بِآمِينَ﴾. قَالَ الرَّبِيعُ: سُئِلَ الشَّافِعِيُّ عَنْ الْإِمَامِ: هَلْ يَرْفَعُ صَوْتَهُ بِآمِينَ؟ قَالَ: نَعَمْ , وَيَرْفَعُ بِهَا مَنْ خَلْفَهُ أَصْوَاتَهُمْ , فَقُلْت: وَمَا الْحُجَّةُ؟ فَقَالَ: أَنْبَأَنَا مَالِكٌ , وَذَكَرَ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمُتَّفَقَ عَلَى صِحَّتِهِ , ثُمَّ

الاجتهاد والتقليد وتقليد غير الأئمة الأربعة · الصفحة ٢٦٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الاجتهاد والتقليد وتقليد غير الأئمة الأربعةص ٢٦٤