وَهَذَا الْعَمَلُ حُجَّةٌ يَجِبُ اتِّبَاعُهَا , وَسُنَّةٌ مُتَلَقَّاةٌ بِالْقَبُولِ عَلَى الرَّاسِ وَالْعَيْنَيْنِ , وَإِذَا ظَفِرَ الْعَالِمُ بِذَلِكَ قَرَّتْ بِهِ عَيْنُهُ , وَاطْمَأَنَّتْ إلَيْهِ نَفْسُهُ.
فَصْلٌ: [الْعَمَلُ الَّذِي طَرِيقُهُ الِاجْتِهَادُ] وَأَمَّا الْعَمَلُ الَّذِي طَرِيقُهُ الِاجْتِهَادُ وَالِاسْتِدْلَالُ فَهُوَ مُعْتَرَكُ النِّزَالِ وَمَحَلُّ الْجِدَالِ. قَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ: وَقَدْ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيهِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ أَصْلًا , وَأَنَّ الْحُجَّةَ هِيَ إجْمَاعُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مِنْ طَرِيقِ النَّقْلِ , وَلَا يُرَجَّحُ بِهِ أَيْضًا أَحَدُ الِاجْتِهَادَيْنِ عَلَى الْآخَرِ , وَهَذَا قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ وَأَبِي يَعْقُوبَ الرَّازِيُّ وَالْقَاضِي أَبِي بَكْرِ بْنِ مُنْتَابٍ وَالطَّيَالِسِيِّ وَالْقَاضِي أَبِي الْفَرَجِ وَالشَّيْخِ أَبِي بَكْرٍ الْأَبْهَرِيِّ , وَأَنْكَرُوا أَنْ يَكُونَ هَذَا مَذْهَبًا لِمَالِكٍ أَوْ لِأَحَدٍ مِنْ مُعْتَمَدِي أَصْحَابِهِ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حُجَّةً فَإِنَّهُ يُرَجَّحُ بِهِ اجْتِهَادُهُمْ عَلَى اجْتِهَادِ غَيْرِهِمْ , وَبِهِ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ. وَالثَّالِثُ: أَنَّ إجْمَاعَهُمْ مِنْ طَرِيقِ الِاجْتِهَادِ حُجَّةٌ وَإِنْ لَمْ يَحْرُمْ خِلَافُهُ , كَإِجْمَاعِهِمْ مِنْ طَرِيقِ النَّقْلِ , وَهَذَا مَذْهَبُ قَوْمٍ مِنْ أَصْحَابِنَا , وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ كَلَامُ أَحْمَدَ بْنِ الْمُعَدِّلِ وَأَبِي بَكْرٍ وَغَيْرِهِمَا , وَذَكَرَ الشَّيْخُ أَنَّ فِي رِسَالَةِ مَالِكٍ إلَى اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ , وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو مُصْعَبٍ فِي مُخْتَصَرِهِ مِثْلَ ذَلِكَ , وَاَلَّذِي صَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ أَبِي عُمَرَ فِي مَسْأَلَتِهِ الَّتِي صَنَّفَهَا عَلَى أَبِي بَكْرٍ الصَّيْرَفِيِّ نَقْضًا لِكَلَامِهِ عَلَى أَصْحَابِنَا فِي إجْمَاعِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ , وَإِلَى هَذَا يَذْهَبُ جُلُّ أَصْحَابِنَا الْمَغَارِبَةُ أَوْ جَمِيعُهُمْ.
فَأَمَّا حَالُ الْأَخْبَارِ مِنْ طَرِيقِ الْآحَادِ فَلَا تَخْلُو مِنْ ثَلَاثَةِ أُمُورٍ: إمَّا أَنْ يَكُونَ صَحِبَهَا عَمَلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مُطَابِقًا لَهَا , أَوْ أَنْ يَكُونَ عَمَلُهُمْ بِخِلَافِهَا , أَوْ أَنْ لَا يَكُونَ مِنْهُمْ عَمَلٌ أَصْلًا لَا بِخِلَافٍ وَلَا بِوِفَاقٍ ; فَإِنْ كَانَ عَمَلُهُمْ مُوَافِقًا لَهَا كَانَ ذَلِكَ آكَدَ فِي صِحَّتِهَا وَوُجُوبِ الْعَمَلِ بِهَا , إذَا كَانَ الْعَمَلُ مِنْ طَرِيقِ النَّقْلِ , وَإِنْ كَانَ مِنْ طَرِيقِ الِاجْتِهَادِ كَانَ مُرَجِّحًا لِلْخَبَرِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْخِلَافِ , وَإِنْ كَانَ عَمَلُهُمْ بِخِلَافِهِ نُظِرَ: فَإِنْ كَانَ الْعَمَلُ الْمَذْكُورُ عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا فَإِنَّ الْخَبَرَ يُتْرَكُ لِلْعَمَلِ عِنْدَنَا , لَا خِلَافَ بَيْنَ أَصْحَابِنَا فِي ذَلِكَ , وَهَذَا أَكْبَرُ الْغَرَضِ بِالْكَلَامِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ , وَهَذَا كَمَا نَقُولُهُ فِي الصَّاعِ وَالْمُدِّ وَزَكَاةِ الْخَضْرَاوَاتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَإِنْ كَانَ الْعَمَلُ مِنْهُمْ اجْتِهَادًا فَالْخَبَرُ أَوْلَى مِنْهُ عِنْدَ جُمْهُورِ أَصْحَابِنَا , إلَّا مَنْ قَالَ مِنْهُمْ: إنَّ الْإِجْمَاعَ مِنْ طَرِيقِ الِاجْتِهَادِ حُجَّةٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِالْمَدِينَةِ عَمَلٌ يُوَافِقُ مُوجِبَ الْخَبَرِ أَوْ يُخَالِفُهُ فَالْوَاجِبُ الْمَصِيرُ إلَى الْخَبَرِ ; فَإِنَّهُ دَلِيلٌ مُنْفَرِدٌ عَنْ مُسْقِطٍ أَوْ مُعَارِضٍ. هَذَا جُمْلَةُ قَوْلِ أَصْحَابِنَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ , وَقَدْ تَضَمَّنَ مَا حَكَاهُ أَنَّ عَمَلَهُمْ الْجَارِي مَجْرَى النَّقْلِ حُجَّةٌ , فَإِذَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ فَهُوَ مُقَدَّمٌ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ أَخْبَارِ الْآحَادِ , وَعَلَى هَذَا الْحَرْفِ بَنَى الْمَسْأَلَةَ وَقَرَّرَهَا , وَقَالَ: وَاَلَّذِي يَدُلُّ عَلَى مَا قُلْنَاهُ أَنَّهُمْ إذَا أَجْمَعُوا عَلَى شَيْءٍ نَقْلًا أَوْ عَمَلًا مُتَّصِلًا فَإِنَّ ذَلِكَ الْأَمْرَ مَعْلُومٌ بِالنَّقْلِ الْمُتَوَاتِرِ الَّذِي يَحْصُلُ الْعِلْمُ بِهِ , وَيَنْقَطِعُ الْعُذْرُ فِيهِ , وَيَجِبُ تَرْكُ أَخْبَارِ الْآحَادِ لَهُ ; لِأَنَّ الْمَدِينَةَ بَلْدَةٌ جَمَعَتْ مِنْ الصَّحَابَةِ مَنْ يَقَعُ الْعِلْمُ بِخَبَرِهِمْ فِيمَا أَجْمَعُوا عَلَى نَقْلِهِ , فَمَا هَذَا سَبِيلُهُ إذَا وَرَدَ خَبَرٌ وَاحِدٌ بِخِلَافِهِ كَانَ حُجَّةً عَلَى ذَلِكَ الْخَبَرِ وَتُرِكَ لَهُ , كَمَا لَوْ رُوِيَ لَنَا خَبَرٌ وَاحِدٌ فِيمَا تَوَاتَرَ بِهِ نَقْلُ جَمِيعِ الْأُمَّةِ لَوَجَبَ تَرْكُ الْخَبَرِ لِلنَّقْلِ الْمُتَوَاتِر مِنْ جَمِيعِهِمْ , فَيُقَالُ: مِنْ الْمُحَالِ عَادَةً أَنْ يُجْمِعُوا عَلَى شَيْءٍ نَقْلًا أَوْ عَمَلًا مُتَّصِلًا مِنْ عِنْدِهِمْ إلَى زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَأَصْحَابِهِ وَتَكُونُ السُّنَّةُ الصَّحِيحَةُ الثَّابِتَةُ قَدْ خَالَفَتْهُ , هَذَا مِنْ أَبْيَنِ الْبَاطِلِ ; وَإِنْ وَقَعَ ذَلِكَ فِيمَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ مِنْ طَرِيقِ الِاجْتِهَادِ فَإِنَّ الْعِصْمَةَ لَمْ تُضْمَنْ لِاجْتِهَادِهِمْ , فَلَمْ يُجْمِعُوا مِنْ طَرِيقِ النَّقْلِ وَلَا الْعَمَلِ الْمُسْتَمِرِّ عَلَى هَذِهِ الشَّرِيطَةِ عَلَى بُطْلَانِ خِيَارِ الْمَجْلِسِ , وَلَا عَلَى التَّسْلِيمَةِ الْوَاحِدَةِ , وَلَا عَلَى الْقُنُوتِ فِي الْفَجْرِ قَبْلَ الرُّكُوعِ , وَلَا عَلَى تَرْكِ الرَّفْعِ عِنْدَ الرُّكُوعِ وَالرَّفْعِ مِنْهُ , وَلَا عَلَى تَرْكِ السُّجُودِ فِي الْمُفَصَّلِ , وَلَا عَلَى تَرْكِ