تَسْوِيَةٌ بَيْنَ الْمُخْتَلِفَاتِ الَّتِي فَرَّقَ النَّصُّ وَالْعَقْلُ بَيْنَهَا , وَإِنْ فَرَّقْتُمْ بَيْنَهَا فَلَا بُدَّ مِنْ دَلِيلٍ فَارِقٍ بَيْنَ مَا هُوَ مُعْتَبَرٌ مِنْهَا وَمَا هُوَ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ , وَلَا تَذْكُرُونَ دَلِيلًا قَطُّ إلَّا كَانَ دَلِيلَ مَنْ قَدَّمَ النَّصَّ أَقْوَى , وَكَانَ بِهِ أَسْعَدَ. وَأَيْضًا فَإِنَّا نُقَسِّمُ عَلَيْكُمْ هَذَا الْعَمَلَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ لِيَتَبَيَّنَ بِهِ الْمَقْبُولُ مِنْ الْمَرْدُودِ فَنَقُولُ: عَمَلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَإِجْمَاعُهُمْ نَوْعَانِ ; أَحَدُهُمَا: مَا كَانَ مِنْ طَرِيقِ النَّقْلِ وَالْحِكَايَةِ , وَالثَّانِي: مَا كَانَ مِنْ طَرِيقِ الِاجْتِهَادِ وَالِاسْتِدْلَالِ ; فَالْأَوَّلُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ ; أَحَدُهَا: نَقْلُ الشَّرْعِ مُبْتَدَأٌ مِنْ جِهَةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم , وَهُوَ أَرْبَعَةُ أَنْوَاعٍ ; أَحَدُهَا: نَقْلُ قَوْلِهِ , وَالثَّانِي: نَقْلُ فِعْلِهِ , وَالثَّالِثُ: نَقْلُ تَقْرِيرِهِ لَهُمْ عَلَى أَمْرٍ شَاهَدَهُمْ عَلَيْهِ أَوْ أَخْبَرَهُمْ بِهِ , الرَّابِعُ: نَقْلُهُمْ لِتَرْكِ شَيْءٍ قَامَ سَبَبُ وُجُودِهِ وَلَمْ يَفْعَلْهُ. الثَّانِي: نَقْلُ الْعَمَلِ الْمُتَّصِلِ زَمَنًا بَعْدَ زَمَنٍ مِنْ عَهْدِهِ صلى الله عليه وسلم. الثَّالِثُ: نَقْلٌ لِأَمَاكِنَ وَأَعْيَانَ وَمَقَادِيرَ لَمْ تَتَغَيَّرْ عَنْ حَالِهَا.
[نَقْلُ الْقَوْلِ وَطَرِيقَةُ الْبُخَارِيِّ فِي تَرْتِيبِ صَحِيحِهِ]: وَنَحْنُ نَذْكُرُ أَمْثِلَةَ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ ; فَأَمَّا نَقْلُ قَوْلِهِ فَظَاهِرٌ , وَهُوَ الْأَحَادِيثُ الْمَدَنِيَّةُ الَّتِي هِيَ أُمُّ الْأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ , وَهِيَ أَشْرَفُ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْأَمْصَارِ , وَمَنْ تَأَمَّلَ أَبْوَابَ الْبُخَارِيِّ وَجَدَهُ أَوَّلَ مَا يَبْدَأُ فِي الْبَابِ بِهَا مَا وَجَدَهَا , ثُمَّ يُتْبِعُهَا بِأَحَادِيثِ أَهْلِ الْأَمْصَارِ , وَهَذِهِ كَمَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ أَبِيهِ عُمَرَ , وَابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ , وَمَالِكٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ وَأَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ , وَأَبِي شِهَابٍ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ , وَابْنِ شِهَابٍ عَنْ حُمَيْدٍ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ , وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ , وَابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ , وَمَالِكٍ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ كُرَيْبٌ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ , وَالزُّهْرِيِّ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ , وَأَمْثَالُ ذَلِكَ. [نَقْلُ الْفِعْلِ] أَمَّا نَقْلُ فِعْلِهِ فَكَنَقْلِهِمْ أَنَّهُ تَوَضَّأَ مِنْ بِئْرِ بُضَاعَةَ , وَأَنَّهُ كَانَ يَخْرُجُ كُلَّ عِيدٍ إلَى الْمُصَلَّى فَيُصَلِّي بِهِ الْعِيدَ هُوَ وَالنَّاسُ , وَأَنَّهُ كَانَ يَخْطُبُهُمْ قَائِمًا عَلَى الْمِنْبَرِ وَظَهْرُهُ إلَى الْقِبْلَةِ وَوَجْهُهُ إلَيْهِمْ , وَأَنَّهُ كَانَ يَزُورُ قُبَاءَ كُلَّ سَبْتٍ مَاشِيًا وَرَاكِبًا , وَأَنَّهُ كَانَ يَزُورُهُمْ فِي دُورِهِمْ وَيَعُودُ مَرَضَاهُمْ وَيَشْهَدُ جَنَائِزَهُمْ وَنَحْوُ ذَلِكَ.
[نَقْلُ التَّقْرِيرِ] وَأَمَّا نَقْلُ التَّقْرِيرِ فَكَنَقْلِهِمْ إقْرَارَهُ لَهُمْ عَلَى تَلْقِيحِ النَّخْلِ , وَعَلَى تِجَارَاتِهِمْ الَّتِي كَانُوا يَتَّجِرُونَهَا , وَهِيَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَنْوَاعٍ: تِجَارَةُ الضَّرْبِ فِي الْأَرْضِ , وَتِجَارَةُ الْإِدَارَةِ , وَتِجَارَةُ السَّلَمِ فَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ مِنْهَا تِجَارَةً وَاحِدَةً , وَإِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْهِمْ فِيهَا الرِّبَا الصَّرِيحَ وَوَسَائِلَهُ الْمُفْضِيَةَ إلَيْهِ أَوْ التَّوَسُّلَ بِتِلْكَ الْمَتَاجِرِ إلَى الْحَرَامِ كَبَيْعِ السِّلَاحِ لِمَنْ يُقَاتِلُ بِهِ الْمُسْلِمَ وَبَيْعِ الْعَصِيرِ لِمَنْ يَعْصِرُهُ خَمْرًا وَبَيْعِ الْحَرِيرِ لِمَنْ يَلْبَسُهُ مِنْ الرِّجَالِ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مُعَاوَنَةٌ عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ. وَكَإِقْرَارِهِمْ عَلَى صَنَائِعِهِمْ الْمُخْتَلِفَةِ مِنْ تِجَارَةٍ وَخِيَاطَةٍ وَصِيَاغَةٍ وَفِلَاحَةٍ , وَإِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْهِمْ فِيهَا الْغِشَّ وَالتَّوَسُّلَ بِهَا إلَى الْمُحَرَّمَاتِ , وَكَإِقْرَارِهِمْ عَلَى إنْشَادِ الْأَشْعَارِ الْمُبَاحَةِ وَذِكْرِ أَيَّامِ الْجَاهِلِيَّةِ وَالْمُسَابَقَةَ عَلَى الْأَقْدَامِ , وَكَإِقْرَارِهِمْ عَلَى الْمُهَادَنَةِ فِي السَّفَرِ , وَكَإِقْرَارِهِمْ عَلَى الْخُيَلَاءِ فِي الْحَرْبِ وَلُبْسِ الْحَرِيرِ فِيهِ وَإِعْلَامِ الشُّجَاعِ مِنْهُمْ بِعَيْنِهِ بِعَلَامَةٍ مِنْ رِيشَةٍ أَوْ غَيْرِهَا. وَكَإِقْرَارِهِمْ عَلَى لُبْسِ مَا نَسَجَهُ الْكُفَّارُ مِنْ الثِّيَابِ , وَعَلَى إنْفَاقِ مَا ضَرَبُوهُ مِنْ الدَّرَاهِمِ , وَرُبَّمَا كَانَ عَلَيْهَا صُوَرُ مُلُوكِهِمْ , وَلَمْ يَضْرِبْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَلَا خُلَفَاؤُهُ مُدَّةَ حَيَاتِهِمْ دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا , وَإِنَّمَا كَانُوا يَتَعَامَلُونَ بِضَرْبِ الْكُفَّارِ. وَكَإِقْرَارِهِ لَهُمْ بِحَضْرَتِهِ عَلَى الْمِزَاحِ الْمُبَاحِ , وَعَلَى الشِّبَعِ فِي الْأَكْلِ , وَعَلَى النَّوْمِ فِي الْمَسْجِدِ , وَعَلَى شَرِكَةِ الْأَبْدَانِ , وَهَذَا كَثِيرٌ مِنْ أَنْوَاعِ السُّنَنِ احْتَجَّ بِهِ الصَّحَابَةُ وَأَئِمَّةُ الْإِسْلَامِ كُلُّهُمْ. وَقَدْ احْتَجَّ بِهِ جَابِرٌ فِي تَقْرِيرِ الرَّبِّ فِي زَمَنِ الْوَحْيِ كَقَوْلِهِ: " كُنَّا نَعْزِلُ وَالْقُرْآنُ يَنْزِلُ , فَلَوْ كَانَ شَيْءٌ يَنْهَى