قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: مُنْكَرُ الْحَدِيثِ , وَتَرَكَهُ يَحْيَى. وَأَمَّا حَدِيثُ يَحْيَى بْنِ رَاشِدٍ عَنْ يَزِيدَ مَوْلَى سَلَمَةَ فَقَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ: يَحْيَى بْنُ رَاشِدٍ لَيْسَ بِشَيْءٍ , وَقَالَ النَّسَائِيّ: ضَعِيفٌ , وَقَالَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ ﴿كَانَ يُسَلِّمُ تَسْلِيمَةً وَاحِدَةً﴾ مِنْ حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ , وَمِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ , وَمِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ , إلَّا أَنَّهَا مَعْلُولَةٌ لَا يُصَحِّحُهَا أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ ; لِأَنَّ حَدِيثَ سَعْدٍ أَخْطَأَ فِيهِ الدَّرَاوَرْدِيُّ , فَرَوَاهُ عَلَى غَيْرِ مَا رَوَاهُ النَّاسُ بِتَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ , وَغَيْرُهُ يَرْوِي فِيهِ بِتَسْلِيمَتَيْنِ , ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَهُ عَنْ مُصْعَبِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ﴿كَانَ يُسَلِّمُ فِي الصَّلَاةِ تَسْلِيمَةً وَاحِدَةً﴾ ثُمَّ قَالَ: وَهَذَا وَهْمٌ عِنْدَهُمْ وَغَلَطٌ , وَإِنَّمَا الْحَدِيثُ كَمَا رَوَاهُ ابْنُ الْمُبَارَكِ وَغَيْرُهُ عَنْ مُصْعَبِ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ أَبِيهِ ﴿كَانَ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ يَسَارِهِ﴾ وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ بِالتَّسْلِيمَتَيْنِ مِنْ طَرِيقِ مُصْعَبٍ , ثُمَّ سَاقَ طُرُقَهُ بِالتَّسْلِيمَتَيْنِ عَنْ سَعْدٍ , ثُمَّ سَاقَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ الْمُبَارَكِ عَنْ مُصْعَبٍ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: ﴿رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ , وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إلَى صَفْحَةِ خَدِّهِ﴾ فَقَالَ الزُّهْرِيُّ: مَا سَمِعْنَا هَذَا مِنْ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم , فَقَالَ لَهُ إسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ: أَكُلَّ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم سَمِعْت؟ قَالَ: لَا , قَالَ: فَنِصْفَهُ؟ قَالَ: لَا , قَالَ: فَاجْعَلْ هَذَا فِي النِّصْفِ الَّذِي لَمْ تَسْمَعْ قَالَ: وَأَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم ﴿كَانَ يُسَلِّمُ تَسْلِيمَةً وَاحِدَةً﴾ فَلَمْ يَرْفَعْهُ أَحَدٌ إلَّا زُهَيْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَحْدَهُ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ , رَوَاهُ عَنْهُ عَمْرُو بْنُ أَبِي سَلَمَةَ , وَزُهَيْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ ضَعِيفٌ عِنْدَ الْجَمِيعِ كَثِيرُ الْخَطَأِ لَا يُحْتَجُّ بِهِ , وَذَكَرَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ هَذَا الْحَدِيثَ فَقَالَ: عَمْرُو بْنُ أَبِي سَلَمَةَ وَزُهَيْرٌ ضَعِيفَانِ لَا حُجَّةَ فِيهِمَا. وَأَمَّا حَدِيثُ أَنَسٍ فَلَمْ يَاتِ إلَّا مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيُّ عَنْ أَنَسٍ , وَلَمْ يَسْمَعْ أَيُّوبُ مِنْ أَنَسٍ عِنْدَهُمْ شَيْئًا. قَالَ: وَقَدْ رُوِيَ عَنْ الْحَسَنِ مُرْسَلًا ﴿أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ كَانُوا يُسَلِّمُونَ تَسْلِيمَةً وَاحِدَةً﴾ ذَكَرَهُ وَكِيعٌ عَنْ الرُّبَيِّعِ عَنْهُ , قَالَ: وَالْعَمَلُ الْمَشْهُورُ بِالْمَدِينَةِ التَّسْلِيمَةُ الْوَاحِدَةُ , وَهُوَ عَمَلٌ قَدْ تَوَارَثَهُ أَهْلُ الْمَدِينَةِ كَابِرًا عَنْ كَابِرٍ , وَمِثْلُهُ يَصِحُّ فِيهِ الِاحْتِجَاجُ بِالْعَمَلِ فِي كُلِّ بَلَدٍ , لِأَنَّهُ لَا يَخْفَى ; لِوُقُوعِهِ فِي كُلِّ يَوْمٍ مِرَارًا.
[الْكَلَامُ عَلَى عَمَلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ]: قُلْت: وَهَذَا أَصْلٌ قَدْ نَازَعَهُمْ فِيهِ الْجُمْهُورُ , وَقَالُوا: عَمَلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ كَعَمَلِ غَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْأَمْصَارِ , وَلَا فَرْقَ بَيْنَ عَمَلِهِمْ وَعَمَلِ أَهْلِ الْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ وَالشَّامِ ; فَمَنْ كَانَتْ السُّنَّةُ مَعَهُمْ فَهُمْ أَهْلُ الْعَمَلِ الْمُتَّبَعِ , وَإِذَا اخْتَلَفَ عُلَمَاءُ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَكُنْ عَمَلُ بَعْضِهِمْ حُجَّةً عَلَى بَعْضٍ , وَإِنَّمَا الْحُجَّةُ اتِّبَاعُ السُّنَّةِ , وَلَا تُتْرَكُ السُّنَّةُ لِكَوْنِ عَمَلِ بَعْضِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى خِلَافِهَا أَوْ عَمِلَ بِهَا غَيْرُهُمْ , وَلَوْ سَاغَ تَرْكُ السُّنَّةِ لِعَمَلِ بَعْضِ الْأُمَّةِ عَلَى خِلَافِهَا لَتُرِكَتْ السُّنَنُ وَصَارَتْ تَبَعًا لِغَيْرِهَا ; فَإِنْ عَمِلَ بِهَا ذَلِكَ الْغَيْرُ عَمِلَ بِهَا وَإِلَّا فَلَا , وَالسُّنَّةُ هِيَ الْعِيَارُ عَلَى الْعَمَلِ , وَلَيْسَ الْعَمَلُ عِيَارًا عَلَى السُّنَّةِ , وَلَمْ تُضْمَنْ لَنَا الْعِصْمَةُ قَطُّ فِي عَمَلِ مِصْرٍ مِنْ الْأَمْصَارِ دُونَ سَائِرِهَا , وَالْجُدْرَانُ وَالْمَسَاكِنُ وَالْبِقَاعُ لَا تَاثِيرَ لَهَا فِي تَرْجِيحِ الْأَقْوَالِ , وَإِنَّمَا التَّاثِيرُ لِأَهْلِهَا وَسُكَّانِهَا. وَمَعْلُومٌ أَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم شَاهَدُوا التَّنْزِيلَ , وَعَرَفُوا التَّاوِيلَ , وَظَفِرُوا مِنْ الْعِلْمِ بِمَا لَمْ يَظْفَرْ بِهِ مَنْ بَعْدَهُمْ ; فَهُمْ الْمُقَدَّمُونَ فِي الْعِلْمِ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ , كَمَا هُمْ الْمُقَدَّمُونَ فِي الْفَضْلِ وَالدِّينِ , وَعَمَلُهُمْ هُوَ الْعَمَلُ الَّذِي لَا يُخَالَفُ , وَقَدْ انْتَقَلَ أَكْثَرُهُمْ عَنْ الْمَدِينَةِ , وَتَفَرَّقُوا فِي الْأَمْصَارِ , بَلْ أَكْثَرُ عُلَمَائِهِمْ صَارُوا إلَى الْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ وَالشَّامِ مِثْلَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ وَأَبِي مُوسَى وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَعُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ وَعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَمُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ , وَانْتَقَلَ إلَى الْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ نَحْوُ ثَلَاثِمِائَةٍ صَحَابِيٍّ وَنَيِّفٍ , وَإِلَى الشَّامِ وَمِصْرَ نَحْوُهُمْ