وَبِقَوْلِهِ: ﴿مَا مِنْ صَاحِبِ ذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ لَا يُؤَدِّي زَكَاتَهَا إلَّا صُفِّحَتْ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَفَائِحُ مِنْ نَارٍ﴾ وَهَلَّا كَانَ هَذَا الْعُمُومُ عِنْدَكُمْ مُقَدَّمًا عَلَى أَحَادِيثِ النُّصُبِ الْخَاصَّةِ؟ وَهَلَّا قُلْتُمْ: هُنَاكَ تَعَارُضٌ مُسْقِطٌ وَمُوجِبٌ فَقَدَّمْنَا الْمُوجِبَ احْتِيَاطًا؟ وَهَذَا فِي غَايَةِ الْوُضُوحِ , وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ.
[أَقَلُّ الْمَهْرِ] الْمِثَالُ الثَّامِنُ وَالثَّلَاثُونَ: رَدُّ السَّنَةِ الصَّحِيحَةِ الصَّرِيحَةِ الْمُحْكَمَةِ فِي جَوَازِ النِّكَاحِ بِمَا قَلَّ مِنْ الْمَهْرِ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ مَعَ مُوَافَقَتِهَا لِعُمُومِ الْقُرْآنِ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ وَلِلْقِيَاسِ فِي جَوَازِ التَّرَاضِي بِالْمُعَاوَضَةِ عَلَى الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ , بِأَثَرٍ لَا يَثْبُتُ وَقِيَاسٍ مِنْ أَفْسَدِ الْقِيَاسِ عَلَى قَطْعِ يَدِ السَّارِقِ , وَأَيْنَ النِّكَاحُ مِنْ اللُّصُوصِيَّةِ؟ وَأَيْنَ اسْتِبَاحَةُ الْفَرْجِ بِهِ مِنْ قَطْعِ الْيَدِ فِي السَّرِقَةِ؟ وَقَدْ تَقَدَّمَ مِرَارًا أَنَّ أَصَحَّ النَّاسِ قِيَاسًا أَهْلُ الْحَدِيثِ , وَكُلَّمَا كَانَ الرَّجُلُ إلَى الْحَدِيثِ أَقْرَبَ كَانَ قِيَاسُهُ أَصَحَّ , وَكُلَّمَا كَانَ عَنْ الْحَدِيثِ أَبْعَدَ كَانَ قِيَاسُهُ أَفْسَدَ.
[مَنْ أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ أُخْتَانِ] الْمِثَالُ التَّاسِعُ وَالثَّلَاثُونَ: رَدُّ السَّنَةِ الصَّحِيحَةِ الصَّرِيحَةِ الْمُحْكَمَةِ فِيمَنْ أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ أُخْتَانِ أَنْ يُخَيَّرَ فِي إمْسَاكِ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا وَتَرْكِ الْأُخْرَى , بِأَنَّهُ خِلَافُ الْأُصُولِ , وَقَالُوا: قِيَاسُ الْأُصُولِ يَقْتَضِي أَنَّهُ إنْ نَكَحَ وَاحِدَةً , بَعْدَ وَاحِدَةٍ فَنِكَاحُ الثَّانِيَةِ هُوَ الْمَرْدُودُ , وَنِكَاحُ الْأُولَى هُوَ الصَّحِيحُ مِنْ غَيْرِ تَخْيِيرٍ , وَإِنْ نَكَحَهُمَا مَعًا فَنِكَاحُهُمَا بَاطِلٌ , وَلَا تَخْيِيرَ , وَكَذَلِكَ حَدِيثُ مَنْ أَسْلَمَ عَلَى عَشْرِ نِسْوَةٍ , وَرُبَّمَا أَوَّلُوا التَّخْيِيرَ بِتَخْيِيرِهِ فِي ابْتِدَاءِ الْعَقْدِ عَلَى مَنْ شَاءَ مِنْ الْمَنْكُوحَاتِ. وَلَفْظُ الْحَدِيثِ يَابَى هَذَا التَّاوِيلَ أَشَدَّ الْإِبَاءِ ; فَإِنَّهُ قَالَ: ﴿أَمْسِكْ أَرْبَعًا وَفَارِقْ سَائِرَهُنَّ﴾ رَوَاهُ مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ غَيْلَانَ أَسْلَمَ فَذَكَرَهُ. قَالَ مُسْلِمٌ: هَكَذَا رَوَى مَعْمَرٌ هَذَا الْحَدِيثَ بِالْبَصْرَةِ , فَإِنْ رَوَاهُ عَنْهُ ثِقَةٌ خَارِجَ الْبَصْرِيِّينَ حَكَمْنَا لَهُ بِالصِّحَّةِ أَوْ قَالَ: صَارَ الْحَدِيثُ صَحِيحًا وَإِلَّا فَالْإِرْسَالُ أَوْلَى. قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: فَوَجَدْنَا سُفْيَانَ بْنَ سَعِيدٍ الثَّوْرِيَّ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مُحَمَّدٍ الْمُحَارِبِيَّ وَعِيسَى بْنَ يُونُسَ - وَثَلَاثَتُهُمْ كُوفِيُّونَ - حَدَّثُوا بِهِ عَنْ مَعْمَرٍ مُتَّصِلًا , وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كُثَيِّرٌ وَهُوَ يَمَانِيٌّ وَعَنْ الْفَضْلِ بْنِ مُوسَى وَهُوَ خُرَاسَانِيٌّ عَنْ مَعْمَرٍ مُتَّصِلًا عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم , فَصَحَّ الْحَدِيثُ بِذَلِكَ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيُّ عَنْ نَافِعٍ وَسَالِمٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ مُتَّصِلًا. قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْحَافِظُ: تَفَرَّدَ بِهِ سَوَّارُ بْنُ مُحَيْشِرٍ عَنْ أَيُّوبَ , وَسَوَّارٌ بَصْرِيٌّ ثِقَةٌ , قَالَ الْحَاكِمُ: رُوَاةُ هَذَا الْحَدِيثِ كُلُّهُمْ ثِقَاتٌ تَقُومُ الْحُجَّةُ بِرِوَايَتِهِمْ. وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ فَيْرُوزَ الدَّيْلَمِيِّ قَالَ: ﴿قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أَسْلَمْت وَتَحْتِي أُخْتَانِ , قَالَ: طَلِّقْ أَيَّتَهُمَا شِئْت﴾. فَهَذَانِ الْحَدِيثَانِ هُمَا الْأُصُولُ الَّتِي نَرُدُّ مَا خَالَفَهَا مِنْ الْقِيَاسِ , أَمَّا أَنْ نُقَعِّدَ قَاعِدًا وَنَقُولُ هَذَا هُوَ الْأَصْلُ ثُمَّ نَرُدُّ السُّنَّةَ لِأَجْلِ مُخَالَفَةِ تِلْكَ الْقَاعِدِ فَلَعَمْرُ اللَّهِ لَهَدْمُ أَلْفِ قَاعِدَةٍ لَمْ يُؤَصِّلْهَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَفْرَضُ عَلَيْنَا مِنْ رَدِّ حَدِيثٍ وَاحِدٍ , وَهَذِهِ الْقَاعِدَةُ مَعْلُومَةُ الْبُطْلَانِ مِنْ الدِّينِ ; فَإِنَّ أَنْكِحَةَ الْكُفَّارِ لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم كَيْفَ وَقَعَتْ وَهَلْ صَادَفَتْ الشُّرُوطَ الْمُعْتَبَرَةَ فِي الْإِسْلَامِ فَتَصِحَّ أَمْ لَمْ تُصَادِفْهَا فَتَبْطُلَ , وَإِنَّمَا اُعْتُبِرَ حَالُهَا وَقْتَ إسْلَامِ الزَّوْجِ ; فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَجُوزُ لَهُ الْمَقَامُ مَعَ امْرَأَتِهِ أَقَرَّهُمَا. وَلَوْ كَانَ فِي الْجَاهِلِيِّ قَدْ وَقَعَ عَلَى غَيْرِ شَرْطِهِ مِنْ الْوَلِيِّ وَالشُّهُودِ وَغَيْرِ ذَلِكَ , وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْآنَ مِمَّنْ يَجُوزُ لَهُ الِاسْتِمْرَارُ لَمْ يُقَرَّ عَلَيْهِ كَمَا لَوْ أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ ذَاتُ رَحِمٍ مَحْرَمٍ أَوْ أُخْتَانِ أَوْ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعٍ ; فَهَذَا هُوَ الْأَصْلُ الَّذِي أَصَّلَتْهُ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم , وَمَا خَالَفَهُ فَلَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ , وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
[التَّفْرِيقُ بَيْنَ الَّذِي يُسْلِمُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ] الْمِثَالُ الْأَرْبَعُونَ: رَدُّ السَّنَةِ الصَّحِيحَةِ الصَّرِيحَةِ الْمُحْكَمَةِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ﴿لَمْ يَكُنْ يُفَرِّقُ بَيْنَ مَنْ أَسْلَمَ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ إذَا لَمْ تُسْلِمْ مَعَهُ , بَلَى مَتَى أَسْلَمَ الْآخَرُ فَالنِّكَاحُ بِحَالِهِ مَا لَمْ تَتَزَوَّجْ﴾ هَذِهِ سُنَّتُهُ الْمَعْلُومَةُ. قَالَ الشَّافِعِيُّ: أَسْلَمَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ بِمَرِّ