الْعَطِيَّةِ فَقَالَ ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ﴾. وَفِي الْحَدِيثِ: ﴿إنِّي لَا أَشْهَدُ عَلَى جَوْرٍ﴾ فَسَمَّاهُ جَوْرًا , وَقَالَ ﴿إنَّ هَذَا لَا يَصْلُحُ﴾ وَقَالَ ﴿أَشْهِدْ عَلَى هَذَا غَيْرِي﴾ تَهْدِيدًا لَهُ , وَإِلَّا فَمَنْ الَّذِي يَطِيبُ قَلْبُهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى مَا حَكَمَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِأَنَّهُ جَوْرٌ وَأَنَّهُ لَا يَصْلُحُ وَأَنَّهُ عَلَى خِلَافِ تَقْوَى اللَّهِ وَأَنَّهُ خِلَافُ الْعَدْلِ؟ وَهَذَا الْحَدِيثُ مِنْ تَفَاصِيلِ الْعَدْلِ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ بِهِ فِي كِتَابِهِ , وَقَامَتْ بِهِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ , وَأُسِّسَتْ عَلَيْهِ الشَّرِيعَةُ ; فَهُوَ أَشَدُّ مُوَافَقَةً لِلْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ قِيَاسٍ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ , وَهُوَ مُحْكَمُ الدَّلَالَةِ غَايَةَ الْإِحْكَامِ , فَرُدَّ بِالْمُتَشَابِهِ مِنْ قَوْلِهِ ﴿كُلُّ أَحَدٍ أَحَقُّ بِمَالِهِ مِنْ وَلَدِهِ , وَوَالِدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ فَكَوْنُهُ أَحَقُّ بِهِ يَقْتَضِي جَوَازَ تَصَرُّفِهِ فِيهِ كَمَا يَشَاءُ وَبِقِيَاسٍ مُتَشَابِهٍ عَلَى إعْطَاءِ الْأَجَانِبِ , وَمِنْ الْمَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ أَنَّ هَذَا الْمُتَشَابِهَ مِنْ الْعُمُومِ , وَالْقِيَاسُ لَا يُقَاوِمُ هَذَا الْمُحْكَمَ الْمُبَيَّنَ غَايَةَ الْبَيَانِ.
الْمِثَالُ الْعِشْرُونَ: رَدُّ الْمُحْكَمِ الصَّحِيحِ الصَّرِيحِ فِي مَسْأَلَةِ الْمُصَرَّاةِ بِالْمُتَشَابِهِ مِنْ الْقِيَاسِ , وَزَعْمُهُمْ أَنَّ هَذَا حَدِيثٌ يُخَالِفُ الْأُصُولَ فَلَا يُقْبَلُ ; فَيُقَالُ: الْأُصُولُ كِتَابُ اللَّهِ وَسُنَّةُ رَسُولِهِ وَإِجْمَاعُ أُمَّتِهِ وَالْقِيَاسُ الصَّحِيحُ الْمُوَافِقُ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ; فَالْحَدِيثُ الصَّحِيحُ أَصْلٌ بِنَفْسِهِ , فَكَيْفَ يُقَالُ: الْأَصْلُ يُخَالِفُ نَفْسَهُ؟ هَذَا مِنْ أَبْطَلْ الْبَاطِلِ , وَالْأُصُولُ فِي الْحَقِيقَةِ اثْنَانِ لَا ثَالِثَ لَهُمَا: كَلَامُ اللَّهِ , وَكَلَامُ رَسُولِهِ , وَمَا عَدَاهُمَا فَمَرْدُودٌ إلَيْهِمَا ; فَالسُّنَّةُ أَصْلٌ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ , وَالْقِيَاسُ فَرْعٌ , فَكَيْفَ يُرَدُّ الْأَصْلُ بِالْفَرْعِ؟ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: إنَّمَا الْقِيَاسُ أَنْ تَقِيسَ عَلَى أَصْلٍ , فَأَمَّا أَنْ تَجِيءَ إلَى الْأَصْلِ فَتَهْدِمَهُ , ثُمَّ تَقِيسَ , فَعَلَى أَيِّ شَيْءٍ تَقِيسُ؟ وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ مُوَافَقَةِ حَدِيثِ الْمُصَرَّاةِ لِلْقِيَاسِ , وَإِبْطَالُ قَوْلِ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ خِلَافُ الْقِيَاسِ , وَأَنَّهُ لَيْسَ فِي الشَّرِيعَةِ حُكْمٌ يُخَالِفُ الْقِيَاسَ الصَّحِيحَ , وَأَمَّا الْقِيَاسُ الْبَاطِلُ فَالشَّرِيعَةُ كُلُّهَا مُخَالِفَةٌ لَهُ , وَيَا لِلَّهِ الْعَجَبُ , كَيْفَ وَافَقَ الْوُضُوءُ بِالنَّبِيذِ الْمُشْتَدِّ لِلْأُصُولِ حَتَّى قُبِلَ وَخَالَفَ خَبَرَ الْمُصَرَّاةِ لِلْأُصُولِ حَتَّى رُدَّ ,
الْمِثَالُ الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ: رَدُّ السُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ الصَّرِيحَةِ الْمُحْكَمَةِ فِي الْعَرَايَا بِالْمُتَشَابِهِ مِنْ قَوْلِهِ ﴿التَّمْرُ بِالتَّمْرِ مِثْلًا بِمِثْلٍ سَوَاءً بِسَوَاءٍ﴾ فَإِنَّ هَذَا لَا يَتَنَاوَلُ الرُّطَبَ بِالتَّمْرِ. فَإِنْ قِيلَ: فَأَنْتُمْ رَدَدْتُمْ خَبَرَ النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ مَعَ أَنَّهُ مُحْكَمٌ صَرِيحٌ صَحِيحٌ بِحَدِيثِ الْعَرَايَا وَهُوَ مُتَشَابِهٌ. قِيلَ: فَإِذَا كَانَ عِنْدَكُمْ مُحْكَمًا صَحِيحًا فَكَيْفَ رَدَدْتُمُوهُ بِالْمُتَشَابِهِ مِنْ اشْتِرَاطِ الْمُسَاوَاةِ بَيْنَ التَّمْرِ وَالتَّمْرِ؟ فَلَا بِحَدِيثِ النَّهْيِ أَخَذْتُمْ , وَلَا بِحَدِيثِ الْعَرَايَا , بَلْ خَالَفْتُمْ الْحَدِيثَيْنِ مَعًا , وَأَمَّا نَحْنُ فَأَخَذْنَا بِالسُّنَنِ الثَّلَاثَةِ , وَتَرَكْنَا كُلَّ سُنَّةٍ عَلَى وَجْهِهَا وَمُقْتَضَاهَا , وَلَمْ نَضْرِبْ بَعْضَهَا بِبَعْضٍ , وَلَمْ نُخَالِفْ شَيْئًا مِنْهَا ; فَأَخَذْنَا بِحَدِيثِ النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ التَّمْرِ بِالتَّمْرِ مُتَفَاضِلًا , وَأَخَذْنَا بِحَدِيثِ النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ مُطْلَقًا , وَأَخَذْنَا بِحَدِيثِ الْعَرَايَا وَخَصَصْنَا بِهِ عُمُومَ حَدِيثِ النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ ; اتِّبَاعًا لِسُنَنِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كُلِّهَا , وَإِعْمَالًا لِأَدِلَّةِ الشَّرْعِ جَمِيعِهَا , فَإِنَّهَا كُلَّهَا حَقٌّ , وَلَا يَجُوزُ ضَرْبُ الْحَقِّ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ وَإِبْطَالُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ , وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
الْمِثَالُ الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ: رَدُّ حَدِيثِ الْقَسَامَةِ الصَّحِيحِ الصَّرِيحِ الْمُحْكَمِ بِالْمُتَشَابِهِ مِنْ قَوْلِهِ ﴿لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ لَادَّعَى رِجَالٌ دِمَاءَ رِجَالٍ وَأَمْوَالَهُمْ , وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ﴾ وَاَلَّذِي شَرَعَ الْحُكْمَ بِالْقَسَامَةِ هُوَ الَّذِي شَرَعَ أَنْ لَا يُعْطَى أَحَدٌ بِدَعْوَاهُ الْمُجَرَّدَةِ , وَكِلَا الْأَمْرَيْنِ حَقٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ , لَا اخْتِلَافَ فِيهِ , وَلَمْ يُعْطَ فِي الْقَسَامَةِ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى , وَكَيْفَ يَلِيقُ بِمَنْ بَهَرَتْ حِكْمَةُ شَرْعِهِ الْعُقُولَ أَنْ لَا يُعْطِيَ الْمُدَّعِي بِمُجَرَّدِ دَعْوَاهُ عُودًا مِنْ أَرَاكٍ ثُمَّ يُعْطِيه بِدَعْوَى مُجَرَّدَةٍ دَمَ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ؟ وَإِنَّمَا أَعْطَاهُ ذَلِكَ بِالدَّلِيلِ الظَّاهِرِ الَّذِي يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ صِدْقُهُ فَوْقَ تَغْلِيبِ الشَّاهِدَيْنِ , وَهُوَ اللَّوَثُ