فَاضْرِبُوا بِقَوْلِي الْحَائِطَ , وَصَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: إذَا رَوَيْت عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَدِيثًا وَلَمْ آخُذْ بِهِ فَاعْلَمُوا أَنَّ عَقْلِي قَدْ ذَهَبَ , وَصَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: لَا قَوْلَ لِأَحَدٍ مَعَ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم. وَقَالَ إسْرَائِيلُ: عَنْ أَبِي إسْحَاقَ عَنْ سَعْدِ بْنِ إيَاسٍ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ عَنْ رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً فَرَأَى أُمَّهَا فَأَعْجَبَتْهُ , فَطَلَّقَ امْرَأَتَهُ لِيَتَزَوَّجَ أُمَّهَا , فَقَالَ: لَا بَاسَ , فَتَزَوَّجَهَا الرَّجُلُ , وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ ; فَكَانَ يَبِيعُ نُفَايَةَ بَيْتِ الْمَالِ يُعْطِي الْكَثِيرَ وَيَاخُذُ الْقَلِيلَ , حَتَّى قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَسَأَلَ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم , فَقَالُوا: لَا تَحِلُّ لِهَذَا الرَّجُلِ هَذِهِ الْمَرْأَةُ , وَلَا تَصْلُحُ الْفِضَّةُ إلَّا وَزْنًا بِوَزْنٍ , فَلَمَّا قَدِمَ عَبْدُ اللَّهِ انْطَلَقَ إلَى الرَّجُلِ فَلَمْ يَجِدْهُ , وَوَجَدَ قَوْمَهُ فَقَالَ: إنَّ الَّذِي أَفْتَيْت بِهِ صَاحِبَكُمْ لَا يَحِلُّ , وَأَتَى الصَّيَارِفَةَ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الصَّيَارِفَةِ إنَّ الَّذِي كُنْت أُبَايِعُكُمْ لَا يَحِلُّ , لَا تَحِلُّ الْفِضَّةُ إلَّا وَزْنًا بِوَزْنٍ. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ اللَّيْثِ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ وَابْنَ عَبَّاسٍ وَأَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ تَذَاكَرُوا فِي الْمُتَوَفَّى عَنْهَا الْحَامِلِ تَضَعُ عِنْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا , فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: تَعْتَدُّ آخِرَ الْأَجَلَيْنِ , فَقَالَ أَبُو سَلَمَةَ: تَحِلُّ حِينَ تَضَعُ , فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَأَنَا مَعَ ابْن أَخِي , فَأَرْسَلُوا إلَى أُمِّ سَلَمَةَ فَقَالَتْ: ﴿قَدْ وَضَعَتْ سُبَيْعَةُ بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا بِيَسِيرٍ , فَأَمَرَهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ تَتَزَوَّجَ﴾. وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ ذِكْرِ رُجُوعِ عُمَرَ رضي الله عنه وَأَبِي مُوسَى وَابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ اجْتِهَادِهِمْ إلَى السُّنَّةِ مَا فِيهِ كِفَايَةٌ. وَقَالَ شَدَّادُ بْنُ حَكِيمٍ عَنْ زُفَرَ بْنِ الْهُذَيْلِ: إنَّمَا نَاخُذُ بِالرَّايِ مَا لَمْ نَجِدْ الْأَثَرَ , فَإِذَا جَاءَ الْأَثَرُ تَرَكْنَا الرَّايَ , وَأَخَذْنَا بِالْأَثَرِ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ الْمُلَقَّبُ بِإِمَامِ الْأَئِمَّةِ: لَا قَوْلَ لِأَحَدٍ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إذَا صَحَّ الْخَبَرُ عَنْهُ , وَقَدْ كَانَ إمَامُ الْأَئِمَّةِ ابْنُ خُزَيْمَةَ رحمه الله تعالى لَهُ أَصْحَابٌ يَنْتَحِلُونَ مَذْهَبَهُ , وَلَمْ يَكُنْ مُقَلِّدًا , بَلْ إمَامًا مُسْتَقِلًّا كَمَا ذَكَرَ الْبَيْهَقِيُّ فِي مَدْخَلِهِ عَنْ يَحْيَى بْنِ مُحَمَّدٍ الْعَنْبَرِيِّ , قَالَ: طَبَقَاتُ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ خَمْسَةٌ: الْمَالِكِيَّةُ , وَالشَّافِعِيَّةُ , وَالْحَنْبَلِيَّةُ , وَالرَّاهَوِيَّةُ , وَالْخُزَيْمِيَّةُ أَصْحَابُ ابْنِ خُزَيْمَةَ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إذَا حَدَّثَ الثِّقَةُ عَنْ الثِّقَةِ إلَى أَنْ يَنْتَهِيَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَهُوَ ثَابِتٌ , وَلَا يُتْرَكُ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَدِيثٌ أَبَدًا , إلَّا حَدِيثٌ وُجِدَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم آخَرُ يُخَالِفُهُ. وَقَالَ فِي كِتَابِ اخْتِلَافِهِ مَعَ مَالِكٍ: مَا كَانَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ مَوْجُودَيْنِ فَالْعُذْرُ عَلَى مَنْ سَمِعَهُمَا مَقْطُوعٌ إلَّا بِإِتْيَانِهِمَا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: قَالَ لِي قَائِلٌ: دُلَّنِي عَلَى أَنَّ عُمَرَ عَمِلَ شَيْئًا ثُمَّ صَارَ إلَى غَيْرِهِ لِخَبَرٍ نَبَوِيٍّ , قُلْت لَهُ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ: الدِّيَةُ لِلْعَاقِلَةِ , وَلَا تَرِثُ الْمَرْأَةُ مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا , حَتَّى أَخْبَرَهُ الضَّحَّاكُ بْنُ سُفْيَانَ ﴿أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَتَبَ إلَيْهِ أَنْ يُوَرِّثَ امْرَأَةَ الضَّبَابِيِّ مِنْ دِيَتِهِ﴾ فَرَجَعَ إلَيْهِ عُمَرُ , وَأَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرٍو وَابْنُ طَاوُسٍ أَنَّ عُمَرَ قَالَ: أُذَكِّرُ اللَّهَ امْرَأً سَمِعَ مِنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي الْجَنِينِ شَيْئًا , فَقَامَ ﴿حَمَلُ بْنُ مَالِكِ بْنِ النَّابِغَةِ فَقَالَ: كُنْت بَيْنَ جَارِيَتَيْنِ لِي , فَضَرَبَتْ إحْدَاهُمَا الْأُخْرَى بِمُسَطَّحٍ , فَأَلْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا , فَقَضَى فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِغُرَّةٍ﴾ , فَقَالَ عُمَرُ: لَوْ لَمْ نَسْمَعْ فِيهِ هَذَا لَقَضَيْنَا فِيهِ بِغَيْرِ هَذَا , أَوْ قَالَ: إنْ كِدْنَا لِنَقْضِيَ فِيهِ بِرَايِنَا , فَتَرَكَ اجْتِهَادَهُ رضي الله عنه لِلنَّصِّ.
[يُصَارُ إلَى الِاجْتِهَادِ وَإِلَى الْقِيَاسِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ]:
وَهَذَا هُوَ الْوَاجِبُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ ; إذْ اجْتِهَادُ الرَّايِ إنَّمَا يُبَاحُ لِلْمُضْطَرِّ كَمَا تُبَاحُ لَهُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ عِنْدَ الضَّرُورَةِ , ﴿فَمَنْ اُضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. وَكَذَلِكَ الْقِيَاسُ إنَّمَا يُصَارُ إلَيْهِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: سَأَلْت الشَّافِعِيَّ عَنْ الْقِيَاسِ , فَقَالَ: عِنْدَ الضَّرُورَةِ , ذَكَرَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي مَدْخَلِهِ. وَكَانَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ لَا يَرَى لِلْحَائِضِ أَنْ تَنْفِرَ حَتَّى تَطُوفَ طَوَافَ الْوَدَاعِ , وَتَنَاظَرَ فِي ذَلِكَ هُوَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ , فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: إمَّا لَا فَسَلْ فُلَانَةَ الْأَنْصَارِيَّةَ , هَلْ